mercredi 29 juin 2022


لمن يجهل او يتجاهل تاريخ الرجال:
بن علي فكار ..سياسي و صحفي جزائري و مؤسس حركة الشباب الجزائري ابن مدينة تلمسان .
من اكبر المدافعين عن الاسلام و الجزائر و العربية ضد سياسات الاحتلال الفرنسي الادماجية.

 


 مولده ونسبه :

ولد أحمد مصالي الحاج ليلة 16 ماي 1898 في حي رحيبة بمدينة تلمسان العريقة ،أمه هي فاطمة بنت ساري حاج الدين القاضي الشرعي في تلمسان ، أما أبوه فيدعى أحمد ويتميز بقامته الطويلة التي تتجاوز مترين وعشر سنتيمترات ،وقد كلفه سكان مدينة تلمسان بحراسة ضريح الولي الصالح سيدي بومدين لتقواه و ورعه .
· طفولته :
درس مصالي الحاج في المدرسة الأهلية الفرنسية في تلمسان ،فكان يتألم كثيرا لمدى اهتمام المدرسة بتاريخ فرنسا وتلقينه للتلاميذ في الوقت الذي غيب فيه تماما تاريخ وجغرافية وطنه ، ولاحظ الطفل أحمد الفرق الشاسع بين ما يتلقاه في المدرسة عن الحضارة والعدل الفرنسيين وما يشاهده في الواقع من اهانة واستغلال للجزائريين ، فأصبح التلميذ مصالي شديد الغضب يثور لكل صغيرة وكبيرة تمس زملاءه التلاميذ فلقب بــ" محامي القسم" مما دفع إدارة المدرسة إلى طرده سنة 1916.
كما تلقى مصالي الحج تربية دينية في زاوية الحاج محمد بن يلس التابعة للطريقة الدرقاوية بتلمسان .
مارس الطفل أحمد إلى جانب دراسته عدة أعمال لمساعدة عائلته الفقيرة ، فاشتغل حلاقا فاسكافيا ثم بقالا وعمره لا يتجاوز العشر سنوات ، كما اشتغل في مصنع للتبغ كملصق للطوابع على علب السجائر والأكياس لكنه فصل عن العمل لأن القانون يمنع تشغيل الأطفال .
· تجنيده الإجباري في الجيش الفرنسي :
أصدرت السلطات الاستعمارية الفرنسية قانون التجنيد الإجباري سنة 1911الذي ينص على تجنيد الشباب الجزائري إجباريا للخدمة في الجيش الفرنسي ، فرفض الجزائريون القانون المجحف في حقهم و طالبو بإلغائه لأنه يفرض عليهم القتال إلى جانب الكفار حسب اعتقادهم آنذاك .
شارك مصالي الحاج في عدة مظاهرات شعبية ضد قانون التجنيد الإجباري ، وكان يستمع إلى خطب الشيخ حلول شلبي في الجامع الكبير فيتلمسان التي تحرض السكان على رفض هذا القانون ويدعوهم للهجرة إلى البلاد الإسلامية كي لا يقعوا تحت طائلته فيقاتلوا في جيش الكفار، فاتبعت ألاف العائلات الجزائرية الميسورة الحال توجيهات هذا الشيخ وأمثاله من العلماء الأجلاء فهاجرت إلى الكثير من الأقطار الإسلامية
كالمغرب وتركيا ومصر والشام ، وأما عائلته فقد بقيت في تلمسان للان إمكانياتها لم تسمح لها بذلك .
استدعي مصالي الحاج إلى الخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الفرنسي عام 1918 ، فنقل إلى وهران ثم مدينة بوردو الفرنسية ، ولحسن حظ الشاب مصالي أن الحرب العالمية الأولى كانت على وشك الانتهاء ، إلا أنه تألم كثيرا لأن الدولة العثمانية التي يرتبط بها عقائديا قد انهزمت في الحرب أمام كل من فرنسا وبريطانيا واعتبر ذلك هزيمة للإسلام والمسلمين .
وقد ازداد تمسك مصالي الحاج بالدين الإسلامي عندما كان في فرنسا ، وكان يخشى غواية الشيطان في بلد الجن والملائكة حسب ما يقال عنها ، فكان شديد التقوى والورع إلى درجة أنه كلما وسوست له نفسه أو فكر مجرد التفكير في ارتكاب الحرمات يذهب ليغتسل ويطهر نفسه في نهر غارون القريب من بوردو .
وليس غريبا أن يكون مصالي بهذا التقوى لأنه لم يؤمن بأن ما لحق المسلمين من استعمار وهوان و هزائم يعود إلى ابتعادهم عن الدين الصحيح وعدم طهارة سريرتهم وقلوبهم وجسدهم وعقولهم .
سرح مصالي الحاج من الخدمة العسكرية في 28/02/1921 ، فعاد إلى مدينة تلمسان ليشرع في البحث عن العمل اللائق لكنه كان يرفض الاستغلال البشع للعمال الجزائريين عكس ما كان يحدث في فرنسا أين تدافع النقابات عن حقوق العمال وتحد من استغلال أرباب العمل اعرق جبينهم ، وقد وجد مصالي الحاج العمل لدى خمسة من أرباب العمل في تلمسان لكن لا أحد من هؤلاء حدد له راتبه وشروط وساعات العمل اليومية ة أيام الراحة ، واعتبر مصالي ذاك استغلالا وهضما لحقوق العمال الجزائريين الذين لم تسمح لهم السلطات الاستعمارية بإنشاء نقابات تدافع عنهم وعن مصالحهم ، و اضطر مصالي إلى الهجرة نحو فرنسا لعله يجد ظروفا وشروطا للعمل أفضل من الجزائر التي تسلط عليها المعمرون الأوروبيون .
هجرته إلى فرنسا :
هاجر مصالي الحاج إلى فرنسا ككثير من الجزائريين الذين هاجروا إليها بحثا عن القوت لأنهم لم يجدوا عملا في بلادهم الجزائر . وأمام هذه الهجرة المكثفة وضعت السلطات الفرنسية قوانين اتحد من هجرة الجزائريين لأن المعمرين الأوروبيين كانوا يرون فيها مسا بمصالحهم الخاصة لأن استمرارها يؤدي إلى قلة الأيدي العاملة الجزائرية فلا يجدون من يشتغل لديهم بأجور زهيدة .
واضطر الجزائريون إلى الهجرة سريا بعد سن هذه القوانين الاستعمارية ، وكانت كارثة إنسانية في عام 1925 عندما احترق أكثر من خمسين جزائري داخل مخزن إحدى البواخر فندد الرأي العام والوطني بهذه القوانين الجائرة و المعاملة الوحشية للجزائريين .
مارس مصالي الحاج عدة أعمال في فرنسا ، فاشتغل في مصنع للنسيج ثم في مصنع صهر الحديد ليتحول إلى بائع متجول للقبعات ثم استقبال الزبائن في إحدى الفنادق ، وآخر عمل قام به هو تجارة الجوارب .
و إلى جانب العمل اهتم مصالي الحاج بتثقيف نفسه فسجل كمستمع حر للمحاضرات في مدرسة اللغات الشرقية و السوربون والمعهد الفرنسي ، مثلما كان يطالع كثيرا كتب التاريخ والسياسة و الاقتصاد والفكر ، فكان يدون كل ملاحظة أو معلومة جديدة قرأها أو استنتاج توصل إليه من خلال مطالعاته المتنوعة .
شخصيته :
تتميز شخصية مصالي الحاج ضد الظلم والقهر و الاستغلال إلى جانب أخلاق عالية اكتسبها من التربية الدينية التي تلقاها على أيدي والده ومعلميه في الزاوية الدرقاوية ، وكان رياضيا محبا للفنون والثقافة خاصة المسرح والموسيقى ، وحولته ثقافته ومطالعته الكثيرة إلى شخصية ذات قدرة عالية على التنظيم والنضال والدفاع المستميت عن الحق بالحجة الإقناع ، وأهلته هذه الخصال لقيادة جهاد الشعب الجزائري ضد الاستعمار لأكثر من ثلاثين سنة .
جهاده ضد الاستعمار الفرنسي
تأسيس نجم شمال إفريقيا :
أسس مصالي الحاج بمعية عمال جزائريين ومغاربة وتونسيين منظمة "نجم شمال إفريقيا " في عام 1926 بهدف الدفاع عن مصالح عمال شمال أفريقيا في فرنسا والعمل من أجل تحرير الغرب العربي كله من نير الاستعمار الفرنسي الغاشم وتولى مصالي الحاج رئاسة نجم شمال أفريقيا سنة1927 بعد انسحاب حاج علي عبد القادر فأعطى للثورة بعدا ثوريا ووطنيا ، وشارك في مؤتمر الشعوب المناهضة الاستعمار الذي انعقد في بروكسل سنة 1927 إلى جانب شخصيات ثورية بارزة منها بطل الثورة الفيتنامية هوشي منه .
عرف مصالي الحاج في هذا المؤتمر العالمي بقضية الجزائر والمغرب العربي عموما وطالب باستقلالها عن فرنسا .
وفتح مصالي الحاج بذلك صداما مباشرا بين نجم شمال إفريقيا والسلطات الاستعمارية الفرنسية التي سمعت خطابا جديدا وثوريا لم تسعه منذ عقود لأن فــي تلك الفترة لم يجرؤ أحد من الجزائريين على المطالبة باستقلال الجزائر صراحة وأقصى ما كان يطالب به الزعماء الجزائريون آنذاك هو إدخال إصلاحات وتحقيق المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين و الأوروبيين في الجزائر .
إن هذه المواقف الثورية لمصالي الحاج جعلت منه أول داعية للاستقلال الوطني في القرن العشرين فيستحق بذلك لقب "رائد الوطنية الجزائرية "وكيف لا يلقب بذلك وهو الذي ضحى بالنفس والنفيس من أجل نشر فكرة الاستقلال الوطنية في صفوف الشعب الجزائري وربى شبابا وحضرهم للعمل المسلح من أجل تحرير الوطن . وقد أيعنت الثمار التي غرسها باندلاع الثورة في ليلة أول نوفمبر 1954
انتشار فكرة الاستقلال :
ساهم نجم شمال إفريقيا في نشر فكرة الاستقلال في و صفوف المهاجرين الجزائريين في فرنسا ، فسلطت السلطات الاستعمارية وشرطتها وأعضاء هذا التنظيم شتى أنواع التعذيب و الاعتقال لكن في كل مرة يخرجون منها أكثر إيمانا وقوة وصلابة وعزيمة على مواصلة الجهاد من أجل تحرير وطنهم الجزائر والمغرب العربي كله من الاستعمار الغاشم.
إن الانتشار الواسع لأفكار نجم شمال أفريقيا في صفوف المهاجرين الجزائريين في فرنسا قابله ضعف الانتشار داخل الجزائر بسبب العراقيل الاستعمارية وضعف الاتصال بالجماهير داخل الوطن التي لم تعرف حقيقة مصالي الحاج و تنظيمه ، كما أن الشعب الجزائري آنذاك كان متأثرا بالتنظيمات السياسية التقليدية خاصة النواب بزعامة فرحات عباس ومحمد صالح بن جلول التي كانت تطالب بتحقيق المساواة بين المسلمين الجزائريين و الأوروبيين في الجزائر، أمـــــــا
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بزعامة العلامة عبد الحميد بن باديس فكانت تركز على الإصلاح الديني وتربية وتعليم الجزائريين .
في 02/08/1936 نظم كل من فحرات عباس وعبد الحميد بن باديس والطيبي العقبي ومحمد صالح بن جلول ... وغيرها من الشخصيات الجزائرية تجمعا شعبيا في الملعب البلدي في الجزائر العاصمة لمناقشة مجموعة من المطالب الجزائرية لتقدم إلى السلطات الفرنسية والنظر في مشروع بلوم فيوليت الذي ينص على ترقية بعض الجزائريين وجعلهم متساوين مع الأوروبيين في الحقوق و الواجبات .
انتقل مصالي الحاج في اليوم نفسه من باريس إلى الجزائر للمطالبة بالكلمة أمام جموع الجماهير التي لا تعرف هذا الرجل ، وان سمع عنه بعض الحاضرين إلا أنه تشكلت لديهم صورة مشوهة عنه بسبب الدعاية الاستعمارية الموجهة ضده في الجزائر .
سمح منظموا هذا الاجتماع الشعبي لمصالي الحاج بالحديث إلى الجماهير الحاضرة لمدة لا تتجاوز خمس دقائق ، فأخذ حفنة من تراب هذا الوطن فقال أن هذه الأرض جزائرية ملمة وهي ليت للبيع ولا يحق لأي كان بيعها للأجنبي ، وذكر بأن فرنسا استولت على الجزائر بالقوة ونطالب باستقلال الجزائر التام بدل المطالبة بإصلاحات لا معنى لها .
فرأت فيه الجماهير الحاضرة الصدق والإخلاص ، وتذكر الجميع أن فرنسا استولت على الجزائر بالعنف منذ أكثر من قرن وأنها لن تخرج إلا بالعنف والقوة بعدما كادت أن تنسى الجماهير هذه الحقائق .
وحملت الجماهير مصالي على أكتافها بعد إنهاء خطابه وهي تردد شعارات الاستقلال والحرية ، فمنذ ذلك اليوم التاريخي أصبحت أفكار نجم شمال أفريقيا تتردد في كل مكان من ربوع هذا الوطن ، فاضطر الاستعمار إلى حل هذا التنظيم من جديد ليعود تحت اسم أخر هو حزب الشعب الجزائري (PPA) في 11/03/1937 ،فانتقل هذا التنظيم من فرنسا إلى الجزائر وأصدر جريدة "البرلمان الجزائري "إلى جانب صحيفة" الأمة" التي كان لها صدى كبير من قبل وساهمت بشكل كبير في نشر فكرة الوطنية و الاستقلال في الجزائر .
في السجون الاستعمارية :
بعد أيام من تأسيس حزب الشعب الجزائري علم مصالي الحاج بتنظيم الفرنسيين لتظاهرات واحتفالات بمناسبة العيد الوطني الفرنسي يوم 17/08/1937 فأراد الحزب استغلالها لإبراز مطالب الشعب الجزائري في الاستقلال عن فرنسا ، فطلب مصالي من زوجته الفرنسية الأصل صنع علم جزائري يحمل الهلال كرمز للإسلام والنجمة كرمز للأركان الخمسة و يلون بالأخضر للدين والأبيض للإسلام والأحمر لدم الشهداء .
ورفع المتظاهرون هذا العلم عاليا أثناء احتفالات 14/07/1937 وينادون "يحيا حزب الشعب الجزائري" و"تحيا الحرية" و "يحيا الإسلام" و يناشدون سويا نشيد "فداء الجزائر" الذي وضعه مفدي زكريا ، فتحولت الاحتفالات الى اصطدامات عنيفة بين مناضلي حزب الشعب الجزائري بزعامة مصالي الحاج والبوليس الاستعماري المدعوم بالمناضلين الشيوعيين الذين أرادوا منع الوطنيين من التظاهرة .
ونظم مصالي الحاج و إخوانه مظاهرات وتجمعات أخرى في عدة مناطق من الوطن ، فاعتقلت السلطات الاستعمارية كلا من مصالي الحاج ومفدي زكريا و حسين لحول ووجهت لهم تهمة المساس بأمن الدولة الاستعمارية بسنتين سجنا قضوها في سجن الحراش .
وعشية اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة1939 حلت السلطات الفرنسية حزب الشعب وألقت القبض على مصالي بعد أشهر فقط من إطلاق سراحه من سجن الحراش وحوكم محكمة صورية لتصدر حكما بالسجن لمدة 16سنة يوم 17/03/1941 . فنقل إلى سجن لمبيز الرهيب ، ومنذ تلك الفترة ظهرت شعارات جديدة لدى الشعب وهي "أطلقوا مصالي" .
وفي عام 1942 دخلت جيوش الحلفاء المتمثلة في الجيوش البريطانية والأمريكية إلى الجزائر فقضت على نظام فيشي الموالي للنازية الألمانية ، وأطلقت سراح مصالي ، وشارك حزب الشعب الجزائري مع كل من فرحات عباس و جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في صيغة بيان فيفري 1943 الذي يطالب بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره ، وأسس مصالي الحاج مع "هؤلاء أحباب البيان والحريةً" في 14/03/1944 الذي يجمع القوى الجزائرية المناهضة للاستعمار .
خشيت السلطات وحدة الشعب الجزائري ، فوضعت مصالي تحت الإقامة الجبرية في قصر الشلالة ، لتكتشف أنه كان يحضر ثورة شعبية ضد الاستعمار فنقله إلى الكونغو برازفيل في أفريقيا السوداء يوم26/04/1945 لتحمله فيما بعد مسؤولية أحداث 08 ماي 1945 التي انتهت بمجازر رهيبة ارتكبها الاستعمار في حق الشعب الجزائري الذي قتل أكثر من45 ألف شهيد .
تحضير الثورة المسلحة
بعد عام من مجازر 08 ماي 1945 أطلقت السلطات الاستعمارية سراح مصالي الحاج و زعماء جزائريين آخرين ومنهم فرحات عباس و الشيخ البشير الإبراهيمي وغيرهما .
وأعاد مصالي الحاج تأسيس حزب الشعب الجزائري تحت اسم جديد هو"حركة الانتصار
للحريات الديمقراطية " وشرع في تحضير الشغب للثورة المسلحة فأسس المنظمة الخاصة في فيفري 1947 مهمتها تدريب المجاهدين على العمل المسلح و جمع الأسلحة و المؤن و الأدوية لليوم الموعود .وللأسف اكتشف البوليس الاستعماري هذه المنظمة العسكرية في عام 1950 و اعتقل الكثير من أعضاءها والتحق الآخرون بالجبال ينتظرون ساعة اندلاع الثورة .و في هذه الفترة سافر مصالي الحاج إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج وقام بزيارة عدة بلدان في المشرق العربي و طالب حكوماتها بالدعم العسكري والمادي والسياسي لكفاح الشعب الجزائري ، وعاد إلى الجزائر في عام 1952 لينظم عدة تجمعات شعبية يوعي فيها الشعب ويحضره للثورة ، فوقعت عدة اصطدامات بين الشعب و البوليس الاستعماري الذي حاول منع هذه التجمعات ، واعتقلت السلطات الاستعمارية الزعيم مصالي الحاج يوم 14/05/1952 فوضعته تحت الإقامة الجبرية بنيوز في فرنسا ،وبقي فيها حتى عام 1953 .
وفي عام 1953 ظهرت أزمة داخل حزب " حركة الانتصار للحريات الديمقراطية" بين أنصار مصالي الحاج وأنصار اللجنة المركزية الذين اتهموا مصالي بالاستبداد و عبادة الشخصية داخل الحزب ، فكادت هذه الــأزمة أن تعصف بالحزب و نضالات الشعب الجزائري ، فظهرت اللجنة الثورية للوحدة والعمل على يدي مجموعة من المناضلين الذين حاولوا الإصلاح بين المصاليين ومركزيين وإعادة لم شمل الحزب الوطني ، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل ، فاجتمعت مجموعة من أعضاء المنظمة الخاصة في المدنية بالعاصمة لمناقشة الوضع الخطير ، فقرر المجتمعون إشعال فتيل الثورة قبل فوات الأوان ، فكان هؤلاء وراء اندلاع الثورة المسلحة ليلة أول نوفمبر 1954 دون علم المركزيين ولا المصاليين الذين عقدوا مؤتمر في هورنو ببلجيكا في جويلية 1954 وأعلنوا تأسيس حزب جديد سموه "الحركة الوطنية الجزائرية MNA " بزعامة مصالي الحاج ومواصلة النضال وبقي المركزيون في الحزب القديم "حركة الانتصار للحريات الديمقراطية " وبذلك انشق الحزب الوطني العتيد إلى حزبين .
موقفه من الثورة المسلحة
اندلعت الثورة المسلحة ليلة 01/11/1945 على يد جبهة التحرير الوطني التي أسسها مجموعة من الشبان الذين تربوا على يد مصالي ورضعوا المبادئ التي ناضل من أجلها لأكثر من ثلاثين سنة قضى أغلبها في المنفى والسجون ، وقد انضم الكثير من الشباب إلى الثورة المسلحة معتقدين أن قائدها هو مصالي الحاج ، ولم يعلموا أن الثورة قامت بدونه ألا بعد مرور أشهر . اكتشف هؤلاء فيما بعد أن لمصالي الحاج تنظيما آخر أطلق عليه " الحركة الوطنية الجزائرية"
يعارض به تنظيم "جبهة التحرير الوطني" الذي أشعل فتيل الثورة ،فاصطدم التنظيمان فقتل الأخ أخاه في المهجر والجبال والمدن مما يطرح علينا السؤال لماذا هذا التقاتل بين الأخوة كانوا في حزب الشعب الجزائري ثم حركة
انتصار الحريات الديمقراطية بزعامة مصالي الحاج و أعطوا أغلى ما يملكون من أجل تحرير وطنهم الجزائر فهل لأن "الحركة الوطنية الجزائرية MNA " رفضت حل نفسها والخضوع لقيادة الثورة التي أمرت كل التنظيمات الجزائرية بحل نفسها
والانضمام إلى جبهة التحرير الوطني كأفراد وليس كتنظيمات ؟ ولماذا رفض مصالي الحاج حل "الحركة الوطنية الجزائرية " و الالتحاق بجبهة التحرير الوطني ؟ هل لأنه رفض أن يكون تحت قيادة شباب رضعوا مبادئ الوطنية على أيديه فأخذته العزة بالإثم ؟ وهل لأن مصالي الحاج اعتقد أن جبهة التحرير الوطني تحالفت مع خصومه المركزيين الذين اصطدم معهم داخل " حركة الانتصار للحريات الديمقراطية " عشية اندلاع الثورة ؟ أم هل لأن جبهة التحرير الوطني ضمت إليها خصومه التقليديين الذين اختلف معهم في أساليب النضال ضد الاستعمار ومنهم جماعة فرحات عباس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ؟ أم أن مصالي الحاج رأى الثمرة التي سقاها ورعاها يقطفها غيرهم ؟ و اعتقد بأنه حضر للثورة طيلة عقود فقادها الآخرون ؟ هل لأن مصالي كان بعيدا عن الواقع ولم يكن يعرف الحقائق بسبب بقائه سنينا عديدة في السجون الفرنسية فكان ضحية هذا الجهل فاتخذ موقفا سلبيا من جبهة التحرير الوطني قائدة الثورة المسلحة ؟.
إن للمستقبل والبحث التاريخي الجاد كفيل بالإجابة عن هذه التساؤلات كلها . لكن مهما كانت الإجابة فعلينا أن نعلم أن مصالي الحاج لم يتخل عن أهدافه ومبادئه من أجل تخليص الجزائر من براثن الاستعمار ، و إن خلافه مع جبهة التحرير الوطني ليس معناه معاداة الثورة من أجل الاستقلال أو خيانة كما أراد البعض إيهامنا .
فهل من المعقول أن تصدر خيانة الوطن من رجل أفنى حياته كلها في سبيل تحريره ؟ و ان كان لنا حكما على موقف مصالي الحاج من الثورة الجزائرية فيمكن لنا القول أنه أخطأ التقدير لم يخن أبدا .
وما يؤثر حقا هو بقاء مصالي الحاج بعد الاستقلال منفيا في الخارج مثل الكثير من الذين قادوا الثورة ذاتها . ولم تطأ قدماه أرض الوطن الذي حلم بحريته وبقي في فلرنسا منزويا في حجرته متعبدا ومطالعا للكتب و كتابة مذكراته حتى لقي ربه يوم 03/06/1973 لينقل ليلا الى مسقط رأسه تلمسان فيدفن هناك بحضور جمع غفير من المواطنين الذين لم ينسوا أبدا أن مصالي الحاج هو لرائد الوطنية الجزائرية وغرس مثلها في قلب الشعب قبل أن تتحول الى حقيقة فرحم الله مصالي الحاج وندعو الله أن يغفر ذنوبه .

lundi 27 juin 2022

 

عبد الحليم بن سماية الشيخ المناضل العالم الفقيه


بقلم: محمد الطيب-

علم من أعلام الجزائر الذين كانت لهم بصمات في الحياة الثقافية وتأثيرات عميقة في بعث الحركة الإصلاحية في الجزائر في الثلث الأول من القرن العشرين، إلى جانب العلماء كعبد القادر المجاوي، مصطفى بن الخوجة، أبو القاسم الحفناوي، صالح بن مهنا، المولود بن الموهوب، حمدان الونيسي الأوائل البناة للحركة الإصلاحية الجزائرية، التي تبناها الشيخ بن باديس وأصحابه وتلامذته.

كان من أشد الناقمين على الاستعمار الفرنسي، الشيخ مدرس، الصحفي، الكاتب، والموسيقي، ولد بالعاصمة في 1866، وكانت ساحة الشهداء زاخرة بالجوامع التي تقدم فيها دروس العلوم الشرعية، يشرف عليها نخبة من العلماء، ففي هذه البيئة تربى وعاش طفولته وشبابه، فتلقى تعليمه الأساسي على يد والده الشيخ علي بن سماية بجامع سفير، ودرس اللغة العربية والعلوم الشرعية على الشيخ السعيد بن زكري، وعلم الفلك والتاريخ على الشيخ الحفناوي صاحب كتاب "تعريف الخلف برجال السلف"، ثم انتقل إلى تونس لدراسة الفلسفة على يد الشيخ محمد بن عيسى الجزائري، أتقن العربية، والفرنسية.

وفي 1896 عيّن مدرسا بالمدرسة الرسمية الثعالبية، ثم استخلف والده بالجامع الكبير في 1900 لتعليم القرآن والعلوم الشرعية واللغوية، فدرّس "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" للجرجاني، و"المفصل" للزمخشري، و"البصائر النصيرية في المنطق" لابن سهلان، "الاقتصاد في الاعتقاد" لأبي حامد الغزالي، و"تلخيص المفتاح" للقزويني، واهتم بالفلسفة والمنطق، وشارك في المؤتمر الدولي الرابع عشر للمستشرقين في 1905 بالجزائر، وقدم بحثا بعنوان "الحضارة الإسلامية والفلسفة"، وكان مهتما بمقارنة الأديان، فكان يقرأ الإنجيل والتوراة ويجادل علماءها، وكتب في بعض الصحف العربية الجزائرية "المغرب (1903-1904)، كوكب إفريقيا (1907-1914)، الإقدام (1920-1923).. باسمه الحقيقي وبأسماء مستعارة"، لم من مقالاته إلا القيل منها 7 مقالات في جريدة "المغرب" خصصها لموضوع الجاذبية و3 مقالات عن التصوف في "كوكب إفريقيا"، هذه المقالات لا تعبر بدقة وشمولية عن الحجم الحقيقي له، خاصة ما تعلق بأفكاره الفلسفية، فأفكاره التجديدية ومعارفه العلمية الواسعة جديرة بأن يطلع عليها القراء في الجزائر وفي البلدان الإسلامية الأخرى.

كان يشد إليه الرحال، فزاره العلماء الذين كانوا يوفدون على العاصمة من المناطق الداخلية أو من الخارج، فقد استقبل الإمام محمد عبده خلال زيارته إلى الجزائر عام 1903، وكان من المتأثرين بأفكاره وسعى من خلال منصبه بالمدرسة الثعالبية إلى الترويج لها بين طلبته الموجهين نحو الوظائف الإدارية والقضائية والدينية، كما راسل الإمام عبده بعد رجوعه إلى مصر، ونشرها الشيخ محمد رشيد رضا مع قصيدة في كتابه "تاريخ الإمام"، وقال فيها عن الشيخ عبده "هذا الرجل الجليل رجل حنكته تجارب الزمان، واستقصى أحوال الأمم حتى ميّز منها ما زان وما شان، وتطلع من الفنون على اختلاف أنواعها، ومواضيعها، وأعمل فكره أعمق تفكر وتدبر في الحبل المتين والقرآن المبين"، وزاره العالم الزيتوني الشيخ محمد الخضر حسين في 1904، وكتب عند عودته إلى تونس عن إعجابه بشخصه وعلمه، قائلا "التقينا بالشيخ بن سماية، فغمرنا بنفحات خلقه الناضر، واختلى ألبابنا بفصاحة لسانه الساحر"، ويقول بعد مجالسته "كلام يشهد لصاحبه بسلامة الذوق والولوع بالكشف عن أسرار المسائل دون الاكتفاء بتصوراته المجردة"، فهو يشكل مع مجموعة من العلماء والمثقفين كالشيخ المجاوي والشيخ بن الموهوب وعمر بن قدور وعمر راسم.. كتلة المحافظين التي تعاطفت مع فكرة الجامعة الإسلامية التي نادى بها الشيخ جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، وتعاونوا مع السياسيين المتنورين كمحمد بن رحال وأحمد بوضربة والشريف بن حبيلس للمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية والتعليمية والسياسة للجزائريين، فطالبوا بإلغاء قانون الأهالي وإعادة نظام القضاء الإسلامي، واحترام التقاليد الجزائرية، والسماح لهم بحرية التنقل والسفر خاصة إلى المشرق العربي، كما تزعم حركة المعارضة لقانون التجنيد الإجباري، فترأس جلسة 25 جويلية 1911 بالمجلس البلدي بالعاصمة، وحضرها أعيان المسلمين وتحدث باسم الوفد معربا عن رفضهم لمشروع التجنيد الإجباري.

ومن مواقفه الجريئة إصداره لفتوى "بعدم جواز محاربة الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى لأنها مسلمة ويرتبط بها الجزائري برابطة دينية وولاء روحي بحكمها تمثل الخلافة الإسلامية".

وكان من أبرز تلاميذه والملازمين لدروسه العالم والمحقق الدكتور محمد بن أبي شنب، الدكتور محمد بن العربي أول جزائري تحصل على شهادة الدكتوراه في الطب، والشيخ عبد الرحمان الجيلالي المؤرخ والفقيه المعروف، كما ألف عدة كتب في الفقه والفلسفة والتصوف ونشر منها رسالة عن الربا في 1911 بعنوان "اهتزاز الأطواد والربى في مسألة تحريم الربا"، قال عنها تلميذه الشيخ عبد الرحمان الجيلالي "هي رسالة غزيرة المادة في موضوعها، استوعب فيها المؤلف أصول هذا الباب، دعا فيها علماء الإسلام قاطبة إلى تحمل مسؤولياتهم أمام هذا الموضوع الهام"، ونشر كتابا آخر في 1913 بعنوان "الكنز المكنون".

ظل نشطا موجها معارضا مما عرضه لمضايقات واضطهاد المستعمر، وأصيب جراء ذلك بمرض عقلي حيث إتخذ فرسا أبيضا وسيفا وعمامة وعين نفسه باشا الجزائر حاكما عثمانيا، لكرهه الشديد للفرنسيين، وذكر تلميذه الأستاذ توفيق المدني أنه لقيه على هيئته هذه وهو على فرسه فطلب منه أن يعلمه شيئا من علم المنطق، فقال له خذ ورقة وقلم و"أخذ يملي عليّ بلهجة علمية قاسية وفصاحة عربية نادرة وصوت جهوري تناسقت نبراته كما تناسقت عباراته، خلاصة وافية لعلم المنطق، بتعريفاته، وكلياته، وأقسامه وأمثاله، وأطال الإملاء إلى أن ملأت عشر ورقات، وقلت يكفي هذا الدرس الأول ولنترك الدرس الثاني إلى فرصة أخرى"، لازمه الجنون في آخر أيامه حتى وفاته في 4 جانفي 1933م (7 رمضان 1351هـ)، ودفن في مقبرة الشيخ عبد الرحمان الثعالبي.

وخصصت له مجلة "التلميذ" عدة صفحات، وكتب عنه تلميذه الشيخ محمد الحسن الحجوي مقالا طويلا ذكر فيه جوانب من حياته وأعماله، ووصفه بـ "حسن المحاضر، فكه المجالسة، متين الدين.."، ونقلت مجلة "الشهاب" خبر وفاته، كما وصفته بما يليق بمقامه، فهو في نظر الشيخ إبن باديس "عالم عامل، غيور على دينه ووطنه مخلص لهما، قضى حياته مدرسا بالمدرسة الثعالبية، فبث روحا طيبة فيمن اتصلوا به من تلامذتها معظما محترما عند زملائه فيها وعند رؤسائها"، رحمه الله ونفعنا بعلمه.




مالك بن نبي
يعتبر مالك بن نبي ومدرسته من أكثر المدارس الفكرية التي كان لها أثر واضح في تحديد وصنع ملامح الفكر الإسلامي الحديث، خاصة أن هذه المدرسة اهتمت أكثر من غيرها من المدارس الأخرى بدراسة مشكلات الأمة الإسلامية؛ انطلاقا من رؤية حضارية شاملة ومتكاملة. فقد كانت جهوده لبناء الفكر الإسلامي الحديث وفي دراسة المشكلات الحضارية عموما متميزة؛ سواء من حيث المواضيع التي تناولها أو المناهج التي اعتمدها في ذلك التناول.إلى حد تعبير ه أن "مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها" عندئذ يطرح السؤال هل قيام وازدهار أي حضارة مرهون بعوامل أساسية كالثقافة والأفكار وحركة المجتمع وغيرها؟ أم يمكن إن نصطلح على تأخر المجتمعات بالإشكال الحضاري؟
وانطلاقا من هذا الاعتقاد الراسخ بأهمية الحضارة وضرورة "فقه" حركتها، انتابني شعور عظيم اتجاه هذا المفكر العظيم فارتأيت إلا أن أقف أمام هذا العنوان العريض الجدير بالاهتمام ليكون موضوع بحثنا ودراستنا،لاسيما أن مثل هذا العنوان يكاد يخلو من مكتباتنا الإسلامية.كيف ونحن نعتز بكل ماهو جزائري من فكر أصيل وحضاري، وهذا ماجعلنا نتطلع إلى الكشف عن هذا الإرث المعنوي.
وسيتركز هذا البحث على مشكلات الحضارة الثقافة والأفكار، والمشكلات الدينية باعتبارها حازت على الأولوية والكثافة في كتابات مالك بن نبي، فهو يرى أن أخطاءنا تتكون في عقولنا قبل أن ترتسم على صفحة الوجود، فالمشكلة التي نواجهها هي مشكلة فكرية، وعقلية قبل أن تكون مشكلة سلوكية، رغم الترابط بينهما، ومشكلات الثقافة والفكر والتربية هي في واقعها مشكلة واحدة ترتبط جزئياتها برباط وثيق، وليس سليماً أن نتناول أجزاء منها بالعلاج ونترك أجزاء أخرى، فالعلاج يجب أن يطالها جميعاً.
ولعلنا نرجو من وراء هذا البحث الإسهام في زيادة المعلومات لدى الأجيال القادمة كما يضاف إلى قائمة البحوث المكتبية لدى المعهد الإسلامي بغليزان،وإحياء لفكر بن نبي ذالك الفكر الوهاج الذي أنار العقول الإسلامية بما فيه الغربية بشهادة المفكرين من شتى أنحاء العالم.
وفيما يتعلق بمضمون الدراسة. فإن المصادر كانت مقدَّمة على المراجع، لاسيما وأن معظم المراجع لم تتناول موضوع البحث من الزاوية التي تناولها الباحث،ولإعطاء فكرة واضحة عن الفكر البنابي الحضاري قمنا بإنجاز هذا البحث الذي يتضمن ثلاثة فصول وخاتمة.
افتتحنا موضوعنا هذا بمقدمة خصصناها لمدى أهمية الموضوع متضمنة أشكالية البحث ومبرراته.
الفصـل الأول عنوناه بالحضارة عند مالك بن نبي وتطرقنا فيه إلى ثلاثة مباحث متضمنة مايلي:
المبحث الأول مفهوم الحضارة وعناصرها
المبحث الثاني مفهوم المجتمع قيمته دوره ومدى قابليته للمعامل الاستعماري .
المبحث الثالث تحديد مفهوم المرض الاجتماعي ،وماهي الشروط الأولية للتربية الاجتماعية
أما الفصـل الثاني فتطرقنا فيه إلى إشكالية الثقافة والأفكار في تنمية الحضارة من خلال ثلاث مباحث أيضا تحتوي على مايلي :
المبحث الأول تحديد ماهية الثقافة وعلاقتها بعلوم التاريخ والاجتماع والنفس
المبحث الثاني خصصناه لتمايز الثقافات والأفكار،ومدى ارتباط الأفكار بالمجتمع والحضارة.
المبحث الثالث فتعرضنا فيه إلى الأخلاق مبدءا وتوجيها وقيمة وكذالك أثرها في قيام الحضارة.
أما الفصـل الثالث فعنوناه بمشكلات العالم الإسلامي يتضمن مبحثين هما:
المبحث الأول مشكلة الحضارة والمفهومة والثقافة لدى الأمة الإسلامية.
المبحث الثاني درسنا من خلاله مدى ارتباط الدين بالحضارة وأثر أفكار الإسلام والقرءان في بناء هذه الحضارة.
المبحـــــــــث الأول: مفهوم الحضارة وعناصـــــــــــرها
1- التعريف بمالك بن نبي:
وُلد مالك بن نبي في مدينة قسنطينة في الجزائر عام 1905 ، ونشأ في أسـرة فقيـرة ؛ لأن جده لأبيه هاجر إلى طرابُلس الغرب احتجاجاً على الاستعمار الفرنسي وحـمـل مـعـه كـل أملاك العائلة ، هذا الميلاد جعله يتصل بالماضي عن طريق من بقي حياً من شهوده .
بعد إتمام دراسته الثانوية انتقل إلى باريس لكن الإدارة الفرنسية رفضت انضمامه إلى معهد الدراسات الشرقية فدخل مدرسة اللاسلكي التي تخرج منها مهندسا كهربائيا عام 1935م ومع ذلك لم يهمل طريق النضال وعمل على توعية العمال المغاربة وتنظيمهم، كما التقى بعدة شخصيات وطنية وأجنبية لكن السلطات الفرنسية لم تغفل عنه بل حاصرته وحرمته الشهادات رغم تفوقه عل ى الفرنسيين أنفسهم ومنعته الوظيفة والسفر، وحاصرته أسرته في الجزائر، انتقل سنة 1956م إلى مصر حيث تفرغ لتأليف كتبه وترجمتها، كما اتصل بالعديد من الطلبة وتنقل عبر عدة دول يشرح عدالة القضية الجزائرية، بعد الاستقلال وفي سنة 1963م عاد إلى الجزائر وشغل منصب مدير جامعة الجزائر وطالب بإنشاء مدرسة جزائرية مستقلة لعلم الاجتماع.
في عام 1967م استقال من منصبه ليتفرغ للعمل الفكري.
العوامل المؤثرة في ثقافته :
1 - وُلد مالك بن نبي في عصر سمع فيه من جدته لأمه قصص الاحتلال الفرنسي للجزائر ، وعاش مأساة بلد يخطط الاستعمار لشل فاعليته ، ومن ثـم لـتحويلـه إلى فـريسـة سهلـة الالتهام ، عاشها مالك يوماً بيوم في المدرسة الفرنسية حيث لا يسمح (لابن البلد) إكـمـال الدراسة الثانوية التي تؤهله للدراسات الجامعية ، وعاشها في تحول المجتمع عن فطرته وكيف ساد الصعاليك بمعونة الإدارة الفرنسية ، وكيف أصبحت العائلات العريقة فقيرة ، ذليلة بسبب الاستيلاء على أراضيها ، وكان اليهود هم الواسطة لانتقال الملكية من أبنـاء البلاد إلى أبناء المستعمر ؛ فاليهودي دائماً كان يقرض بـفـائدة 60% ، وعنـدمــا درس في فرنسا وعاش مع الجالية الجزائرية رأى الاستعمار من زوايـاه المختلفة ، وشـعـر بخـبـث الأساليب التي يقوم بها لتمزيق العالم الإسلامي.
2 - القراءات الغزيرة المتنوعة ، فقد بدأ بالقراءة منذ أن كان صغيراً في الابتدائية ، وقرأ كتب علم النفس والاجتماع وهو لا يزال في المرحلة الثانوية ، وكان يقرأ كل الصحف التي تصل إلى قسنطينة أو
تبسه ، ولا شك أن هذا الاطلاع الواسع على الثقافة الغربية هو في جانب منه على حساب الثقافة الإسلامية وكان له أثر عليه أيضاً ، فكثرة قراءاته لأعمال الفلاسفة جعلته يعتبر عصر الفارابي عند المسلمين هو عصر خلق الأفكار مع أن الفارابي وأمثاله لم يقدموا شيئاً يذكر للحضارة الإسلامية ، وكانت نغمة (الإنسانية) و(الـعـالميـة) سائدة عند الفلاسفة الغربيين ، ونجد مالك يكررها فيتكلم عـن حضـارة الـيـوم التي تسير نحو الشمول والعالمية 1 ويستعمل أحياناً عباراتهم التي هي نتيجة انفصام عندهم بين الدين والعلم مثل قوله : "إن الطبيعة توجد النوع..." 2
أو وهبته الطبيعة.
3 - ثقافته الإسلامية : يـعتـرف مـالك بـأن الذي كان يـرده عن الـغلـو في هـذا الاتـجـاه (القراءات الكثيرة للفكر الغربي) هو ما كان يتلقاه من دروس في التوحيد والفقه ، وقراءاته للكتب التي تأتي من المشـرق الـعربي مثل : "الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق" لأحمد رضا ، و"رسـالـة الـتوحيد" للشيخ محمد عبده ، و"طبائع الاستبداد" للكواكبي ، والمجلات الإسلامية الجزائرية مثل (الشهاب) التي يصدرها الشيخ ابن باديس ، ولا شك أن ثقافته الشرعية ضعيفة ولكن عنده اطلاع على التاريخ الإسلامي وقدرة على فهم الآيات والأحاديث التي تتعلق بسنة التغيير الاجتماعي وبسبب عمق تفكيره وتحرُّقه على العالم الإسلامي كان يرى أن بذرة عـودة الـوعـي للأمة الإسلامية هي في حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي يعتبرها امتداداً لما قام بـه ابـن تيـمـية في التجديد ، ولنفس السبب أيد جمعية العلماء في الجزائر وكان يعقد الأمل عليهم في الإصلاح وإن اخـتـلف معهم بعدئذ ، ولبُعده عن المشرق ولضعف ثقافته الشرعية كان يمجّد جمال الدين الأفغـاني وتلميذه محمد عبده ويرى أن الأول هو مصلح الشرق ؛ فثقافته الإسلامية خليط من آراء مدرسة الأفغاني ومحمد عبده ومن فهمه لآيات القرآن وسنن التغيير ، وأنه لابـد مـن الـرجـوع إلى طـريـقـة القرآن والسنة في رفع الناس إلى مستوى الروح كما يعـبـر هـو ، والحقيقة أنه يجمع أشياء متناقضة وإن بدت منسجمة بالنسبة له.
4 - ومن المؤثرات الواضحة في شخصيته ما عاناه من الـفـقـر الشـديـد في طفولـته ، وحياة النَّصَب والتعب التي عاشها في شبابه بحثاً عن العمل ، سواء في الجزائر أو فرنـسـا ، فـقد عمل بعد تخرجه من الثانوية في مصنع للأسمنت في مدينة (ليون) بفرنسا ، فكـان يـحـمـل الأكياس على ظهره ، ومرة باع
بعض ملابسه حتى يوفر وجبة غداء ، وبعد تخـرجـه من الهندسة طرق أبواب العمل في الدول العربية والإسلامية ولكن دون جدوى.
هذه الأوضاع النفسية جعلته يكره - وهو صغير - الدور المتـرفـة الـتي كـانت تـفـضح أمـام ناظريه بؤس أقاربه ، وأحكامه المسبقة كانت بسبب العيش في عائلة فقيرة زرعت لاشعورياً في نفسه من
الغيرة والحسد حيال العائلات الكبيرة 3 ، وكـان يعـجـبـه مطالعة صحيفة (الإقدام) التي يصدرها الأمير خالد الجزائري والـتـي كانت تـركز على مـوضـوع الـفـلاح الجزائري وبؤسه.
هذا ما يفسر لنا ميله للدول التي بدأت بتطبـيـق الاشتراكية كالجمهـوريـة العربية المتحدة 4 والجـزائـر بـعـد استـقـلالهـا 5 وبتأثـيـر من هذه الـدول كان يـظـن أن الاتحـاد السوفييتي ليس عنده مُناخ استعماري وهو صديق للشعوب !
توفــــــي في: 1973.10.31م
من مؤلفاته: شروط النهضة، الظاهرة القرآنية، مشكلة الثقافة، تأملات، آفاق جزائرية، المسلم في عالم الاقتصاد، مذكرات شاهد القرن، مستقبل الإسلام، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

 

mardi 21 juin 2022


مدينة أشير الإسلامية:
تقع في الجنوب الشرقي لولاية المدية ببلدية الكاف الأخضر نا حية شلالة العذاورة وهي العاصمة القديمة للعائلة الملكية الزيرية، يعود تاريخ إنشاءها إلى سنة 936 م حيث بنيت من طرف زيري بن مناد واختارها لموقعها الذي يستجيب للمتطلبات العسكرية، هذا الموقع الاستراتيجي يسمح بالسيطرة على الجبال المحيطة والاستفادة من المياه التي عثر عليها في المنطقة.
قام بزيارتها العديد من العلماء العرب سابقا منهم ابن خلدون وابن حوقل الإدريسي، كما حرص زيري بن مناد على إحضار أمهر الصناع والبنائين من المسيلة وسوق حمزة بالبويرة، وأمر بإحضار أبرع مهندس معماري لتصميم مخطط المدينة، وحسب ابن خلدون فإن إنشاء مدينة آشير مر بثلاث مراحل: الأساس، بناء الجدران وأخيرا بناء القصور والحمامات.
آشير كانت قبلة لعلماء وشعراء مثل: أبو عبد الله الأشيري وأبو عمران الأشيري، كما كان للأعمال والآثار الفنية أثر معتبر في الحياة الثقافية داخل المدينة والمدن المحيطة بها

 



 دلال المديــــــة أعيــــا الملــــوك

جمــــال المديــــة أعيــــا الملوك
وكـــم مـن خاطـب ودهـا أخفقـى
تنازعـها الـــروم و المسلمــون .............وحاولـــة زيـــان أن يسبقـــا
وكــــاد ابـــن تجيـــن وابن مريــن ..............بنــــار المديـــة أن يحرقــــا


المدية : بايلك التيطري بلاد الأساطير و العجائب و المعجزات
تقع المدية في الأطلس التلي على بعد 88 كلم تقريبا جنوب الجزائر العاصمة، وتتربع على مساحة قدرها 8700 كلم2 وعلى ارتفاع أكثر 900 م من سطح البحر. وتشترك ولاية المدية في الحدود مع العديد من ولايات الوسط فمن الشمال ولاية البليدة و الجنوب ولاية الجلفة و من الشرق ولاية البويرة و المسيلة و غربا عين الدفلى و تسيمسيلت.
ولاية ما إن تدخلها حتى يتملكك جو من الرهبة و الخوف و الاحترام لشموخ جبالها و حسن طبيعتها هذه هي الحقيقة التي وقفنا عليها بأم أعيننا، فبمجرد عبور منطقة الشفة السياحية التي تخلب الأنظار تستضيفك الحمدانية بجبالها الشامخات و منعرجاتها الصعبة و بمواقع الراحة و مواقف السيارات و المحلات التي غطت المنطقة و بحسن الاستقبال الذي حضينا به من طرف سكانها، جلسنا و تأملنا و اقتنعنا بأن المدية أو بايلك التيطري بلاد الأساطير و العجائب و المعجزات......... فتعالوا معي لأسرد لكم ما رأيت.
المدية مدينة تاريخ و حضارة
يقدر عمر المدية بأكثر من ألف عام وفقا للمؤرخين و المخطوطات التاريخية فالمدية أو كما كانت تسمى بايلك التيطري يعود تأسيسها إلى عهد قديم جدا حوالي 350ه، بحيث قال أحد المؤرخين :"المدية مدينة عتيقة، وأن المدية سبقت بني زيري و أنها أقدم من أشير ..." فقد تداولت عليها الكثير من الحضارات و سكنها الكثير من السكان و الشعوب، ولعل الشيء الملفت للانتباه هو تشابه النمط العمراني بين المدية و تلمسان و حتى أسلوب المعيشة ، تقع ولاية المدية في الأطلس التلي و تتربع على مساحة قدرها 8700 كلم مربع و على ارتفاع 920م على سطح البحر و تبعد عن العاصمة ب 88 كلم و عن البليدة بحوالي 40 كلم، و هذا ما جعلها ولاية إستراتيجية و تضم إداريا 64 بلدية و 19 دائرة، و تتربع على أعلى قمم جبال الأطلس التلي لتحيط بها الجبال من كل جهة.
و اختلف المؤرخون و الباحثون عن أصل كلمة المدية فراح بعضهم يقول أنها اسم لأميرة رومانية كانت تحكم المدية و قال البعض الآخر أن بعض القبائل العربية الصنهاجية التي سكنت المنطقة أطلقت هذا الاسم على المدينة و التي تعني في اللغة العربية الفصحى المدينة ، لكن بما أنه كان للصنهاجيين لهجتهم الخاصة فقد أطلقوا عليها اسم " لمدونة" و هو اسم مشتق من كلمة المدينة، سكن المدية الكثير من الأعراق لعل أبرزها البربر و كانت تمثل الحد الجنوبي بالنسبة لقبائل " زواوة" ثم سكنها الصنهاجيون كما سلف الذكر و قد هاجروا من اليمن إلى بلاد المغرب قبل ظهور الإسلام كما سكنها الرومان و حكمها الوندال و مر بها العرب في فترة الفتح الإسلامي.
و يطهر من خلال التاريخ أن المدية لم تكن مدينة مهمة كثيرا في التاريخ القديم و يبدأ تاريخ المدينة في العهد الروماني الذي دلت الحفريات على وجود المدينة الرومانية التي كانت تسمى " ميديكس" و هذا بالقرب من الموقع الحالي للمدينة ، و أعاد بلكين الزيري بنائها في القرن 950م، مع مدينتي مليانة و الجزائر على أنقاض المدن القديمة.
باليك التيطري أسطورة من قصص ألف ليلة و ليلة
لعل ما جعلني أصف المدية بهذا الوصف هو تربعا على قمم جبال الأطلس التلي، كانت هذه المعلومة الوحيدة التي أمتلكها عن الولاية في رحلتي إليها، توجهنا نحوها انطلاقا من الجزائر العاصمة عبر البليدة و بالضبط من منطقة الشفة التي سحرتني فعلا، و الشيء المثير للدهشة و المفرح في آن واحد هو ازدحام الطريق عن أخرها و من كلا الجانبين فبعد سنين عجاف مع الإرهاب هاهي المنطقة اليوم تتعافى من جروحها و تفتح أبوابها لكل محبي الهدوء و المناظر الخلابة ، فقد من الله عز و جل على المنطقة كل مقومات السياحة الطبيعية، فمن الجبال الشاهقة إلى الشلالات الهدارة إلى الوديان السيارة و ازدحام سفوح مرتفعاتها الصخرية بقردة "المكاو" التي تتزاحم على صدقات السواح لتظفر بلقمة تسد بها الجوع، و الأنفاق التي جعلتها تشبه كثيرا منطقتي جيجل و خراطة فسبحان الله مصور هذا الجمال، و غير بعيد عن الشفة تدخل المدية من باب دزاير أي الحمدانية التي تربعت في أسفل واد "موازية" و غزتها العائلات الجزائرية يكل تنوعها و اختلاف انتمائها و سرقت لنفسها لحظة من السكينة التي يمنحها المكان لكل طالب أمان و بالمجان، لتنطلق بنا السيارة في مرتفعات و منعرجات لندخل المدية التي زينت كل شوارعها بالصخر المنحوت و سقوف منازلها بالقبب البيضاوية و أو المثلثة على شكل هرم و بلون أخضر استمدته من الطابع "المورسكي" الذي جلبها لنا المسلمون الفارون من الأندلس.
رغم ما كتبة إلا أن وصفي لن يعطي المدينة حقها و أترككم مع مقولة أحد العلماء الألمان الذين وصفوا المنطقة و هو العالم " هــ. ومال سان " بترجمة الدكتور أبو العيد دودو تحت عنوان : أضواء على مدينة المدية " حيث وصفها قائلا : تقع مدينة المدية على بعد 45 كلم من البليدة و يبلغ ارتفاعها 3300قدم أي 920 م و كانت في السابق عاصمة تيطري و لها نفس المكانة و الأهمية السياسية التي كانت لمدينة وهران و قسنطينة. أما الطريق الذي يؤدي إليها من البليدة فهو من المناظر الخلابة التي يقدمها الريف الجزائري لعشاق المناظر الجبلية الطبيعية الساحرة حيث يمكن مشاهدة قردة و عديد من الحيوانات البرية في محمية الشريعة. المدية المدينة المقدسة في نظر الأجانب، مع مقارنتها ببلدة مقدسة في ايطاليا..."، حيث يقول :" و المدية تعتبر عند المسلمين "لوريتو" الإسلام فهي تشبه البيت المقدس، في ذلك الحج الايطالي الشهير.." ، اذن فالمدية بحق بلاد الأساطير و العجائب و المعجزات، حيث يقول ذات المصدر : '" أن المدية و هي الأخرى قد حملتها الملائكة كما تقول الأسطورة من البلاد القديمة عبر الفضاء، و وضعتها على سفح الأطلس".
عبد الرؤوف حموش



 

dimanche 19 juin 2022

 رحـــــلة إبــــداع النجـمــــة الســداسيــــة ( نجمـــة الحـــكمة) وأطباقهـــا النجميـــة وفلسفتهـــا ومــدلولاتهـــــا الفنيــــــة ( الجمــاليــــــة والتعـبيـريـــة) في الحضـارة والفنـــون التشكيــليـــــة الإسلاميـــــــة عبــــر العصـــور

النجمة السداسية الإسلامية ( المعروفة بنجمة الحكمة ) أحد عناصر ووحدات الأطباق النجمية الإسلامية الزخرفية الهندسية ؛ وهي من أهم الإبداعات الفنية في الحضارة الإسلامية ظهرت في الحضارة الإسلامية لأول مرة منذ أكثر من 1200عام ( فترة الخلافة الإسلامية العباسية ببغداد أحد العهود الإسلامية الأولي والمبكرة ) المعروفة بالعصر الذهبي والتي عرفت فيها مكتبة دارالحكمة حيث حركة الإنفتاح ؛ والترجمة من الحضارات الأخري القديمة وخصوصاً اليونانية ؛ و الهندية والفارسية ؛ ونراها ظاهرة بوضوح في شمسيات وبواطن عقود جامع أحمد بن طولون من العصر الطولوني بمصر( فترة العهود الإسلامية الأولي والمبكرة عصرالخلافة العباسية ) , ثم إتخذت شعاراً للدولة اللاحقة لها الدولة الفاطمية بمصر , وظهرت بكثرة في شتي منجزات الفنون التشكيلية الإسلامية بهذا العصر من عمارة وخصوصاً المساجد , والتصوير , والفنون الزخرفية الفرعية الآخري , وكثيراً ما تكون في ( أماكن الإلتقاء بالنور والضوء ) مثل مأذن جامع الحاكم بأمر الله , وشمسيات وشرافات صحن الجامع الأزهر , وقد يرجع ذلك إلي الفلسفة الجمالية عند الفنان المسلم ؛ بإعتبارها رمز وإشارة إلي إلتقاء وتكامل المثلثين المتقابلين إلي إلتقاء وتكامل السماء بالأرض ؛ أو إشارة وتذكرة بالله العظيم خالق السماء والأرض , وقد إتخذت النجمة السداسية بعد ذلك عبر العصور الإسلامية اللاحقة في كل منجزاتها وإبدعاتها الحضارية في الفنون التشكيلية الإسلامية ؛ وتظهر بكثرة في العديد من ( الشمسيات ؛ ستائرالضوء ؛ أو شبابيك الجص ؛ أو الزجاج المعشق المؤلف بالجص ) كما في الصور , كما تظهر أيضاً النجمة السداسية المضفرة باسلوب الأرابيسك ( في إمتداد لا نهائي ؛ وتوالد دائم ومستمر إلي مالا نهاية ) وإحاطته بإفريز لفظ الجلالة في صياغة فنية نابعة من تكوين النجمة السداسية في وضع مثلثي متعاكسين ؛ كأنها تفسير لمدلولها ولمعناها الذي طالما إستقر في وجدان وبصيرة الفنان المسلم عبر العصورالإسلامية المتنوعة ؛ والتي استلهمها في إبداعاته ومنجزاته في شتي الفنون التشكيلية الإسلامية المتنوعة ؛ وتتأكد هذه الرؤية الفنية والفلسفة الإبداعية المتفردة هنا علي شباك جصي شمسي ( ما يعرف بستائر النور والضوء ) تؤكد صحة ما ذكرته مسبقاً عن فلسفة الفنان المسلم واستعماله وصياغته الفنية لها جمالياً وتعبيرياً , نشاهد بالألبوم أيضاً صورمتنوعة للنجمة السداسية الإسلامية (نجمة الحكمة) في الفنون التشكيلية الإسلامية ومنجزاتها الحضارية عبرالعصوروالأقاليم والأزمان والأمصار والبقاع والأصقاع المتنوعة من المحيط إلي الخليج ؛ في مده جاوزت 1200عام من الزمان؛ منها صوربالجامعة المستنصرية ببغداد ؛ فترة الخلافة العباسية (أحد العهود الإسلامية الأولي والمبكرة في تاريخ الحضارة الإسلامية ) ؛ أيضاً تليها صور للدول المعاصرة واللاحقة للعصر العباسي ببغداد منها صور جامع أحمد بن طولون أحد خلفاء العباسين بمصر ؛ تليها صور القبة الضريحية للأمام الحسين ـ رضي الله عنه ـ وترجع إلي العصر الفاطمي بمصر ومنه أيضاً صور الجامع الأزهر والحاكم ؛ ثم علي درهم صلاح الدين الأيوبي وعلي النقش الحجري للنص التأسيسي لقلعته بسيناء والتي ترجع للعصر الأيوبي بمصر؛ ثم جامع السلطان المنصور قلاوون وابنه الناصر محمد بن قلاوون وحفيده السلطان حسن وجميعها يعود للعصر المملوكي بمصر ؛ ثم علي واجهة مدخل متحف طوبقابي سراي بإستانبول بتركيا ؛ وجامع سارية الجبل بالقلعة بمصروجامع الرفاعي بمنطقة القلعة بمصر وجامع أصلم السلحداروجميعها يعود لعصرالخلافة العثمانية ؛ ثم صور من بلاد الأندلس والمغرب ومنها علم إمارة بارباروسا ؛ ثم صور ضريح إعتماد الدولة ميرزا غياث بك والذي أنشأته أبنته نور جيهان تخليداً لذكري والدها بأجرا بالقرب من تاج محل بالهند, ومن الغريب بل والشئ العجيب ومن أحد النتائج السلبية للعولمة في العصر الحديث ؛ والتي شملت شتي مناحي الحياة ؛ منها بالطبع الفنون ( الإغتراب الفني والتراثي والحضاري) والتي عمدت فيها مافيا منظمة من لصوص التاريخ والحضارة , إلي تطبيق إستراتيجية ممنهجة ومعروفة لذوبان وإخفاء وطمس وضياع وتشويه وتفتيت الصلات والهويات التراثية والثقافية ؛ التي تتسم بالوحدة الأيدلوجية الشاملة والمتنوعة والمتكاملة ( الثقافية والحضارية والفكرية والتراثية ) وتزويرها لأهداف إستعمارية ماكره ؛ وإختلاق تاريخ لها غير حقيقي وهمي وزائف . " الموسوعة الذهبية أسراركنوز وروائع الفنون التشكيلية الإسلامية عبر العصور ".

mardi 14 juin 2022

 تاريح مدينة البليدة


مدينة البليدة وهي تصغير لكلمة بلدة، أسسها الأندلسيون وهي إحدى مدن الجزائربعد سقوط غرناطة سنة 1492 في أيدي الجيوش ملوك الكاثوليك )روكن كويسطة) بنفس روح الصليبية خرج منها الوالي الصالح و العلامة الخبير سيدي أحمد الكبير رفقة أبنه سيدي بلقا سم و حل بالمنطقة التي كانت معروفة بمياهها العذبة و الكثيرة . . و ما أكثر المعاصر و المطاحن و تربية المواشي بمختلف أنواعها و قنوات السقي العجيبة إلا دليل على وفرة الماء و خصوبة الأرض.
و قد سماها البليدة بعد تهيئتها و تأسيسها مع أبنه الذي كان له دورفعال في ذالك.و كان ذالك في عام 1525 م و به نشأت الخلية العمرانية الأولى للمدينة .
فقد كانت البليدة بجمالها الخلاب وموقعها الفاتن تذكر سيدي احمد الكبير بغرناطة طبيعة و مناخ و جمالا .

و قد كان هذا الرجل مفصلا عن داريته بشؤون التهيئة و العمران كان عالم في الفقه و القضاء. و خبير من خبراء الريّ و أصله من أشبيليا . درس بجامعة قرطبة و تألق . خالط سكان المنطقة و نال احترامهم و ثقتهم و قد آزروه و قدموا له يد العون و حققوا معه المشاريع التي جعلت من البلدة الصغيرة مدينة ذات هندسة و إتقان حضارة ..فقد أستطاع الخبير أن يجعل كل روافد المائية تصب من البلدة الصغيرة في واد واحد هو المعروف بواد سيدي الكبير

و لم يقتصر عمله على ذالك بل تجاوز إلى غيره فقد كان يفكر باستمرار في بناء المدينة و تهيئتها للحياة ألائقة. فهو صاحب تسوية المدينة و تخلله سبعة أبواب هي :

باب الجزائر

بابالزاوية

باب الخويخة

باب السبت

باب القبور

باب القصب

باب الرحبة

و بذالك تتم الشكل الهندسي الرائع للمدينة

كما كان للشيخ سيدي احمد الكبير نشاط متميز في إرشاد الناس و رفض نزاعاتهم و لم ينه الوالي الصالح بموته رحمه الله فقد انحدرت من نسله العائلات الثلاث :
إلمام
ألعروسي
الشرفة
فقد كان يعقد مجالس الصلح و الحكم بين القبائل بالشريعة التي سميت بهذا الاسم نسبة للشريعة الإسلامية و التي كان يقصدها المتخاصمون القاطنون بها وبجوارها فهو كثير التنقل بين القبائل من ( بني الصالح . بني ميصرة . بني مسعود وغلاي......)) و هي القبائل سكان أصليين

منطقة الشريعة البليدة

كما كان يتفقد أحوالها و يصلح من شؤونها من جرجرة إلى الونشريس . وكان مسموع الكلمة لما يتحلى به من خصال عالية كالإخلاص و حسن الفهم و نبل الغاية
الأمر الذي جعل خيرالدين باشا يزوره في بيته في واد رمان و يهنئه و يعده بتقديم يد العون لتحقيق بعض المشاريع كالمسجد الفرن و الحمام و المطحنة . كما آن الشيخ من جهته اتفق معه على جلب الاهتمام بالفارين من الإظطهاد جيوش ملوك الكاثوليك و المقيمين بمتيحة و جبال شنوه وسط مدينة البليدة
و كان بعض هؤلاء ذو الحرف و خبرات فانظموا إلى السكان و تأقلموا وساهموا في تحسين الظروف . كما زاروه الوالي الصالح العلامة سيدي احمد بن يوسف لمدينة مليانة الذي أطلق على مدينة البليدة تسمية ((الوريدة )) إعجابا بجمالها ورونقها .
و قد انطبع عمران المدينة بالطابع العربي الإسلامي فجمع إلى الهندسة العريقة الحس الجمالي والحضاري الذي عرف به المسلمين أيام العز و الثراء.

و تثبت الحقائق أنه كان بالبليدة اثنان و خمسون 52 مؤسسة تربوية من الابتدائي إلى المستوى العالي فضلاعن عشرة مدارس خاصة بالتكوين و الحرف.الأمر الذي جعل كثيرا من كبراء الأتراك من العاصمة يبعثون بأبنائهم إلى البليدة للدارسة و مخالطة البلديين لما يتمتعون به من رقة و حضارة و حسن فهم.
و مما يذكرون في هذا المجال أن إبراهيم خوجة الذي كان إماما بمسجدالسفيرة بالعاصمة كان يحب البليدة حبا جما لتحضرها و رقيتها و قد عرف عن البليديينالتفتح على الغير و كرم و الضيافة و الاحتفاء بكل زائر فأنت إذا نزلت بالبليدة سمعت اللحن و شممت الروائح العطرة و رأيت الهندسة المنسجمة و أكلت ما لذا و طاب .
كيف لا و هي التي احتضنت الفن الأندلسي و كان لها خط خاص بها زال بدخول الاستعمار الفرنسي الغاشم . ولم يكن أهلها ممن لا يبالي بإخوانهم في المناطق الأخرى. فقد عرف أنهم كانوايساهمون بمساهمة جد معبرة و منظمة و بدون انقطاع. كانت توجه إلى خزينة الحكم المركزي و إلى الأراضي المقدسة و ذالك إلى غاية عام الزلزال 1825 الذي أدي بأكثر من 11000 ضحية و أثر في عمرانها بتدميره الشامل و رغم ذالك قاوم السكان دخول الاستعمار .و التاريخ يؤكد أن جيش الاستعمار لم يستطع أن يتقدم نحو مدينة البليدة إلا بعدأربعة عشر عاما من المقاومة و الثبات .
فقد ضرب أهل المنطقة أروع الأمثلة في الجهاد فأذاقوا المستعمرالأمرين ببأسهم الشديد و إقبالهم على الشهادة
و كان ذالك تحت قيادة كل من الشيخ أبن زاعمون والشيخ بن عيسى و قد بلغت هرة مقاومة البلديين مبلغا جعل الأمير عبد القادر نفسه يبعث بمنشور إلى ولاة المناطق يدعوهم فيه إلى تطبيق المثال البلدي في المقاومة .. الذي كان شعاره أفضل أنواع الدفاع – هو الهجوم – و قد دامت بموقع مشدوفة- و هو مدخل من مداخل مدينة البليدة. معركة مدة سبع أعوام قام المستعمر بعدها بمجزرة رهيبة ذات بعد آبادي أكثر ضحاياها من النساء و الأطفال و قد سالت دماؤهم بغزارة و كانت تسيل كالوديان تتدفق في كل من حي الدويرات و حي الجون و سيدي يعقوب.جانب من حي الدويرات الشهير
هذه هي البليدة التي تعرضت للاستعمار الغاشم فشوه صورتها و طمس تاريخها و سكت عن أمجادها و مما يذكر في هذا الصدد أن مسجد الكوثر حاليا كان عند الاستعمار مسجدا كبير يسمى بمسجد سيدي احمد الكبير فحوله المستعمر سنة 17 أوت 1847 إلى كنيسة
ثم استولى بعد عشرة أيام على ملحقات بمسجد الحنفي و إعطاءه للمتدينين اليهود .

المسجد الحنفي الذي حوله الاستعمار لليهودكما حول مسجدا مالكيا إلى مستشفى عسكري و هو معروف بمستشفى (ديكور
وقد صودرت الأراضي بإكمالها حتى أراضي السيد إبراهيم خوجة و لم تسلم من ذالك فقد سلمت أراضيه كتراب مقابر نصفه للمسيحيين و نصفه لليهود و في ذالك برهان على البطش والنهب و الغضب .
فاستحوذا عليها المستعمر الذي ملك المال و سعى طمس الشخصية العربيةالإسلامية
و لبشاعة ماحدث قامت شخصية عسكرية دموية مسماة العقيد تروملت

· Trumlet
· بتكليف من السلطة الاستعمارية بتزييف كل الحقائق التاريخية و تفنن في نشر الإدعاءات المغرضة و تشويه سمعة سكان متيجة عامة و البليدة خاصة
و نحذر و نعيب على بعض أشبه المؤرخين الحاليين اعتمادهم على أثارهذا العقيد إثناء محاولة الكتابة عن منطقة متيجة و مدينة البليدة
و لم يستسلم السكان بل قاوموا المحتل و قاطعوه و لجأت بعض الشخصيات المتعلمة إلى المحافظة على الدين الإسلامي الحنيف و اللغة العربية و ثم ذالك بالمساجد و الزوايا و الكتاتيب و ثبتوا في الميدان حتى بلغ عددهم في النصف الأول من القرن العشرين المئات ثم قاموا بفتح المدارس الحرة . الأمر الذي وطد علاقاتهم بجميعه العلماء المسلمين التي كانت لهم وللوطن دعامة و سندا عم خيره و بركاته كل أرجاء الوطن .
و قد تعدد صورة المقاومة لكثرة صور القهرالمقابل.فالمستعمر لم يترك شبرا بالظلم و لا نفس بلا حرج فقد سعى إلى طمس الشخصية الجزائرية العربية الإسلامية فلم يبقى له لسان فصيحا يعبر به ولم يتح له فرصة التعرف على تاريخه المجيد حتى يبقيه نبتة ضعيفة لا عروق و لا جذور و لم يسمح له بامتلاك أي شيء حتى يشعر بالعزة و الكرامة . الأمر الذي والد أجيال من هذه الأمة تحي بلا تاريخ و لالسان و لا أمان فنتيجة لهذا الوضعية السيئة و المأساوية هب ناسم من يسر الله لهم سبل العلم التعلم و الوعي فشمروا عن ساعد الجد و نذروا أنفسهم الله ثم للوطن .
ففتحواالمدارس و انشئوا المعاهد لتربية الشباب و قام العلماء و الوطنيون ببث روح الوطنية في النفوس ورطوا الحاضر بالمستقبل و أبرازو للناس تاريخ أجدادهم المجيد ليتعلموامنه الدروس و يستلهموا العبر .
و لم تكن مدينة البليدة بمنأى عن كل ما حدث. ففضلا عن قوافل الشهداء و المجاهدين الذين حملوا السلاح
قام العلماء فنانون و رياضيون كل من موقعه بتوعية الناس و شحذ هممهم من اجل الاعتناق و ستراد الحرية .
و تعليقا على حرب التحرير تكتفي بما قاله اللواء : ماسوMassu

و هو أعلى مسئول على القسم المظليين الرواد و احدكبار نخبة الجيش الفرنسي في كتابه عنوانه (( حقيقة حرب الجزائر )) الطبعة الأول --- في العديد من العمليات العسكرية شاهدنا عدوا إعطانا دلائل على فن القتال و أدلة على ىشجاعة عظيمة و إيمان راسخ عند الشباب .فقد سقط الكثير منهم برصاصنا كما سقط أولادنا برصاصهم ---
فهذا اعتراف منه ببطولة المنطقة بالرغم من عجرفته و دمويته .فلم يبقى على إنكار ما كانيجري بجبال البليدة التي عرف أهلها بالشموخ و الأنفة .
و بفضل المقاومة المختلفة و الانتفاضات المتلاحقة ثم النضال السياسي فالتضحيات الجسام كل هذه المعاني نقدم 16 شخصية يمثلون 

صورمختلفة للنضال و المقاومة و هو عدد قليل من كثير حيث هو بمئات من الأشخاص