mercredi 31 mai 2023


الامــــير عــــبد الـــــقـــــادر و نصارى الـــــشام
l’émir Abd el Kader et les chrétiens du levant (Syrie )
( قصة الاوسمة و النياشين🎖️🎖️🎖️🎖️ التي تظهر في صوره النادرة و الرد على شبهة الماسونية السخيفة ).🎖️🎖️🎖️🎖️
فــــي عام 1860 لجاءت العائلات المسيحية الهاربة من الحرب الاهلية في سوريا الى الامير عبد القادر الجزائري الذي كان منفيا في دمشق و طلبوا منه حمايتهم و انقاذهم فما كان منه الا ان فعل ذلك و حماهم مع جنوده و افتداهم و ذكر الناس بتسامح الدين الاسلامي و ارجعهم لصوابهم في دمشق بعد فتنة نشبت بين النصارى و الدروز بتدبير و مكيدة فرنسية لايجاد حجة لاحتلال سوريا و فصل لبنان الذي حدث فعلا لاحقا
ولمّا بلغتْ أخبارُ هذه الواقعةِ الهائلة الخليفة العثماني عبد المجيد خان ، وما صنعه الأمير في سبيل أداء واجبه الديني ، أظهر الخليفة رضاه العالي بفعله وأنعم عليه بالنيشان المجيدي العالي الشان من الرتبة الأولى وأرفق معه فَرَمَانًا وحملهما إلى الأمير الصدرُ الأعظم علي باشا، وإليكم نصّ الفرمان:
((قد أحاط علمي الشريف السلطاني بحال الحميّة الدينيّة الثابتة في أصل فطرة الأمير عبد القادر الجزائري ، زيدَ فضلُه ، وخلوصه الأكيد الوطيد لطرف دولتي العليّة ، وقد اضطره كل منهما لاستعمال الهمّة والغيرة الكليّة الفائدة في الخدمة المرغوبة وهي تخليص عدد كثير من تبعة دولتي العليّة الواقعين بأيدي الأشقياء الظالمين عند وَقع الفتنة والعناد مؤخرًا في الشام من بعض ذوي التوحش الجاهلين بالوظائف العليّة الإسلاميّة والأحكام الجليلة الشرعيّةوحيث أنّ حركته الحسنة قد استوجبت لدى سلطنتي زيادة المحفوظيّة ووقعت موقع الاستحسان ولأجل حسن توجهاتي السلطانية الحاصلة في حقّه والمكافأة العلنيّة على خدمته الخيرية الواقعة ، أحسنتُ إليه بنيشاني المجيدي الهمايوني من الرتبة الأولى ، وأصدرتُ له فرماني السلطاني المعلوم المؤْذن بالمكارم الملوكانية في أول صفر الخير سنة سبع وسبعين ومئتين وألف)).انتهى
فسُرَّ الأمير بهذا الإنعام السلطاني ورفع إلى حضرة الخليفة كتابًا يشكره فيه ويلخص له ما حدث ، جاء فيه : ((...ثمّ لمّا وقعت حادثة الشام وانتُهِكت محارم الله بلا احتشام ،وتعيّنَ على كل فردٍ من العباد بذل المجهود في دفع ذلك الفساد ، قمتُ بأداء ما قدرت عليه من هذه الفريضة العينية ؛ والنيّةُ الصحيحة في ذلك تحصيلُ رضاء الله تعالى ثمّ طاعةُ الدولة العليّة...)).انتهى [الرسالتان مثبتتان في (تحفة الزائر) لمحمد باشا 2/96ـ98].
وتوالت مكاتيب الشكر وقصائد التهنئة بالورود على الأمير من الدول والأدباء والشعراء والعلماء والأعيان اقتداءً بالدولة العثمانية.
ومنها رسالة من قائد الثورة في الداغستان والشيشان الشيخ (محمد شامل الداغستاني) رحمه الله ؛ ونصّها:
((..إلى من اشتهر بين الخواص والعوام ، وامتاز بالمحاسن الكثيرة عن جملة الأنام ، الذي أطفأ نار الفتنة قبل الهيجان ، واستأصل شجرة العدوان ، رأسها كأنه رأس شيطان ، المحبّ المخلص السيد عبد القادر المنصف ؛ السلام عليكم وبعد : فقد قرع سمعي ما تمجّه الأسماع ، وتنفر عنه الطباع ، من أنه وقع هناك بين المسلمين والمُعاهَدِين ما لا ينبغي وقوعه من أهل الإسلام ، وربما كان يُفضي إلى امتداد العناد بين العباد في تلك البلاد ، ولذلك عند سماعه اقشعرّ منه جلدي ، وعبست طلاقة وجهي ، وقلتُ (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) ، وقد تعجبتُ كيف عميَ من أراد الخوض في تلك الفتنة من الولاة عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا من ظلم مُعَاهَدًا أو انتقصه حقّه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس ، فأنا حجيجه يوم القيامة"وهو حديث حسن ، ثمّ لما سمعتُ أنّك خفضت جناح الرحمة والشفقة لهم وضربت على يد من تعدّى حدود الله تعالى وأخذت قصب السبق في مضمار الثناء واستحقيت لذلك ، رضيتُ عنك والله تعالى يرضيك يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون لأنك أحييت ما قال الرسول العظيم الذي أرسله الله رحمة للعالمين ، ووضعتَ من يتجرّأ على سنّته بالمخالفة نعوذ بالله من تجاوز حدود الله ، ولكوني ممتلأً بالرضى عنك كتبتُ إليك إعلاماً بذلك . والسلام . حرر سنة 1277هـ شامل الغريب)).انتهى
فأجابه الأمير برسالة جاء فيها : ((الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى سائر إخوانه من النّبيين والمرسلين ، إنه من الفقير إلى مولاه الغني عبد القادر بن محيي الدين الحسني إلى الأخ في الله تعالى والمُحب من أجله الإمام شامل كان الله لنا ولكم في المقام والرحيل وسلام الله عليكم ورحمته وبعد ، فإنه وصلني الأعز كتابكم وسرّني الألذ خطابكم ، والذي بلغكم عنّا ورضيتم به منّا من حماية أهل الذمة والعهد ، والذَّب عن أنفسهم وأعراضهم بقدر الطاقة والجهد ،هو كما في كريم علمكم مقتضى أوامر الشريعة السّنية، والمروءة الإنسانية ، فإنّ شريعتنا متممة لمكارم الأخلاق ، فهي مشتملة على جميع المحامد الموجبة لائتلاف اشتمال الأطواق على الأعناق . والبغيُ في كل الملل مذموم ومرتعه وخيم ومرتكبه ملوم ولكن :
يُقضى على المرء في أيام محنته **** حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
فإنّا لله وإنا إليه راجعون على فقد أهل الدِّين وقلَّة الناصر للحق والمعين ، حتى صار يظنُّ من لا علم له أنّ أصل دين الإسلام الغلظة والقسوة والبَلادة والجفوة ، فصبرٌ جميل والله المستعان ..
حرر في أول جمادى الأولى 1277)).انتهى [انظر (تحفة الزائر) ص114ـ 115].
إن الناظر في كلام الأمير في جوابه للسلطان وللشيخ شامل يرى بوضوح أنّ الأمير يشرح سبب موقفه من أحداث 1860م بأنه الالتزامُ بأوامر الشريعة الإسلامية في دفع الفساد ، والعدلُ مع أهل الذمة ونصرةُ خليفة المسلمين ، وكلامه صحيح ولا يستطيع أحدٌ إنكاره ، فالواجب على كل مسلم عاقل أن يعتمد هذا الكلام ، فهو كلام ثابت صحيح صرّح به الأمير نفسه وهو موافق للشريعة. وأما ما سواه فهو كذب ومفترى وتأباه الشريعة!
ـ والآن ما هو موقف فرنسا وإنكلترا وباقي دول أوربا الصليبيّة؟تلك الدول التي كانت بالأمس تصرخ وتنادي بالدفاع عن المسيحيين في بلاد الشام وحرّكت جيوشها وأساطيلها لهذا الغرض ، وها هي ترتد خائبة لم تصنع شيئًا للمسيحيين وتركتهم دون إمدادهم بالقوة التي وعدتهم بها! بل رضيت بالتدابير العثمانية ، التي كانت ترفضها من قبل!
وحقيقة الأمر أنّ الدولة العثمانية المسلمة هي التي حمت النصارى في الشام (سواء من رعاياها أو من الأجانب) وأنقذتهم من الفتنة ، وكذلك فإنّ الأمير عبد القادر الجزائري الذي تعرفه الشعوب الأوربيّة بوصفه قاهرَ فرنسا وجيوشها الصليبيّة ، والمدافع عن حمى الإسلام والمسلمين في الجزائر ، والمتعصّب لدين الإسلام ، هو الذي تولّى أمر إطفاء الفتنة وإنقاذ المسيحيين أفرادًا ورجال دين. عملاً بأحكام الشريعة الإسلاميّة! وقد كافأته الدولة العثمانية وشكرت صنيعه.
وفي الوقت نفسه هو الذي أحبط المخطط الأوربي ، وخيّب مساعي الجيش الفرنسي ، وفوّت الفرصة على الصليبيين لتقويض دعائم الخلافة الإسلاميّة. وهذا ولّدَ غيظًا شديدًا في صدور ملوك فرنسا على الأمير ، الذي ظنّوا أنهم قد استراحوا منه ، وقضوا على حركته المقاومة لهم.
وبالمقابل فإنّ سكوت حكّام الدول الأوربيّة سيفضح أمرهم أمام نصارى الشرق ويكشف كذبهم وادّعاءهم الغيْرَة على أبناء دينهم ، وسيُعرّي أغراضهم الدنيئة ، ومطامعهم الجشعة ، التي هم على استعداد لسفك دماء أبناء دينهم في سبيل تحقيقها!! فما العمل؟
لم يكن أمام ملوك وحكّام أوربا حلٌّ يخرجهم من ورطتهم إلاّ أن ينضموا إلى صفوف المباركين والمهنّئين والشاكرين والمادحين للأمير عبد القادر.
فبدأت كتب الشكر والنياشين والأوسمة والهدايا الاعتبارية ، تتوالى على الأمير من الملوك والقياصرة. وسأثبتُ لكم نصوصها نقلاً من كتاب (تحفة الزائر ص99):
1 ـ {صورة المرسوم الممضي بخط يد قيصر الروس المرسَل صحبةَ النيشان}
((نحن اسكندر الثاني إمبراطور وافطركراطور جميع الروسيين .. إلى آخر الألقاب.
إلى الأمير عبد القادر ، اقتضت رغبتنا أن نُشْهِرَ التفاتنا إليكم بشهامتكم وعملكم بما اقتضته الإنسانيّة، واجتهادكم في إنقاذ ألوف المسيحيين من أهالي دمشق ، الذين وُجدوا في خطر عظيم.
اقتضى الحال أننا سمّيناكم من أعظم فرسان رتبتنا الإمبراطورية الملوكانية المشهورة بالنسر الأبيض ، وهذه علامتها واصلة إليكم ونحن لم نزل باقين على المحبّة لنحوكم بالاعتبار الإمبراطوري الملوكي.
حُرر في بطرسبورج في يناير سنة ستين وثمانمئة)).انتهى
2ـ {صورة ما كتبه ملك اليونان}
((نحن "أوتون" بنعمة الله ملك اليونان قد أعطينا الأمير عبد القادر النيشان الكبير رتبة أولى من صنف نيشاننا الملوكي ، المدعو بنيشان المخلص. المؤرخ يوليه سنة 1833 وأرسلناه إليه ليحمله ويستعمله بمقتضى أمرنا ، وبناءً على ذلك أصدرنا له هذا المرسوم ممضيًا منا ، ثمّ من وزير بلاطنا الملوكي والتعلقات الخارجية. حرر في أثينا بتاريخ سبتمبر 1860)).انتهى.
ما كتبه قيصر بروسيا ( المانيا والنمسا )
((نحن غليوم بنعمة الله تعالى ملك بروسيا .. إلى آخر الألقاب. قد منحنا الأمير عبد القادر بن محيي الدين نيشان صليب النسر الأحمر من الطبقة الأولى. وقد أعطينا إرادتنا هذه لأجل تملّكه الحقيقي لهذا الوسام ، حاوية توقيعنا وإمضانا مع الختم الملوكي من بالسبيرج في 12/11/1861)).انتهى
4ـ {نص تحرير ملك إيطاليا}
((إنّ عظيم تصرّفكم في أمر المسيحيين في الحوادث الشاميّة قد أثبتت أمام أوربا أنّكم ممن حاز المزايا الحربية العظيمة ، خصوصًا في الحادثة الدمشقية ، التي أنقذتم فيها النفوس الكثيرة ، فكان ذلك حلية لنفسكم الكريمة المصطفاة ، ثم إنه يوجد بيني وبينك أيها الأمير العزيز ، مواصلة أفرحُ بذكرها وهي محبّة الحريّة التي تجعل تابعيها محافظين على العدالة الحقيقيّة ، وإذا كنتَ في أيّامك السابقة لم يمكنك الحصول على النجاح التام على حسب مرغوبك ، فهذا لا يكون مانعًا لاكتسابك ـ بالنظر لشجاعتك القوية ـ الاحترام والاعتبار من جانب أهل الحرب المعاصرين لك ، والذين يقاتلون في صالح استقلالية الشعوب. ونظرًا لشهادتي بهذا الاحترام المخصوص لشخصك الكريم ، فأنا مرسل إليك الآن الشريطة الكبرى ، نيشان موريس والعاذر ، وهو أقدم نياشين الخيولية والفروسية ، وهو يسلّم لك على يد اثنين من ضباطي ، وهما الكاواليردي كاستيلونو ، والكونت دي كاستيلونيه ، القادمين إلى حضرتك لأجل هذا الأمر . وإني أوصي بهما شديد اعتنائك ، وأرجو أن تصادفك السعادة فيما بين يديك أيها الأمير السعيد ، نظير النّدا الذي يقطر من السماء ليعطي الإقبال إلى الأرض ، والمأمول قبول هذا الدعاء مني لأجلك في المستقبل ، كما أرجو أن تعتقد تمام محبّتي.
حرر في مدينة تورين بتاريخ سبتمبر سنة 1860
محبّك فيكتور عمانوئيل )).انتهى
5ـ {نص ما كتبه وزير خارجيّة فرنسا}
((أيها الأمير السامي ، إنّ خبر الحوادث الشاميّة قد طرق مسامع الدولة الفرنساوية ، وإجابة لطاعة مولاي الإمبراطور وإرادته ، بادرتُ الآن بإعلان اعتباره السامي والتشكر الوافر من طرف جلالته على السعي الذي تكرّمتم به على الأهالي المسيحيين والراهبات والمبعوثين الفرنساويين وجمهور القناصل بتلك الواقعة المحزنة.
والمزية العظيمة في ذلك هي مشاهدة همتكم العليّة التي جعلتكم وقاية لحياة ألوف المساكين ، وجعلت محلّكم ملاذًا لهم في وقتٍ كان الأشقياء الخارجون عن الطاعة يرتكبون القبائح المخالفة لأوامر الباري تعالى ، ولما تقتضيه الإنسانية. أما الإمبراطور نظرًا لمعرفته بعليّ همتكم وكرم أخلاقكم ، فإنه لم يتعجب مما أظهرتموه من الإقدام في ذلك الوقت الضنك ، وهو الآن يشعر بداعٍ ذاتي يدعوه إلى أن يخبركم عن فرحه الشديد الذي أثّر فيه تأثيرًا قويًا بإجراء ما أجريتموه ، وأنا أرجوكم قبول التهاني الشخصية مني التي أضيفت ، أيها الأمير السامي ، تأكيدات سمو اعتباري لحضرتكم في 31/8/1860)).انتهى
ثمّ حضرَ رئيس المترجمين في دائرة الوزراء الفرنساوية مبعوثًا من لدن الإمبراطور إلى حضرة الأمير وقدّم إليه نيشان "الليجون دونور" Légion d'honneur المرصّع من الرتبة الأولى ، وبلّغه اعتبار الإمبراطور وسائر الفرنساوية لمقامه العظيم.انتهى ["الليجون دونور" تعني: وسام الشرف].
6ـ {نص تحرير قنصل دولة إنكلترا في دمشق}
((إلى عظمة الأمير السيد عبد القادر. المعروض لسعادتكم أنني قد أُمرت من الحكومة الإنكليزية الفخيمة أن أبيّن لكم حاسّيتها الفائقة ، نظرًا لما أظهرتموه من حقوق الإنسانية بتخليص جماعة كبيرة من المسيحيين ، الذين لولا ذلك لهلكوا بين أيدي أهل القَسَاوة في المذبحة الأخيرة بدمشق ، وبسلوك عظمتكم عرفت الحكومة الإنكليزية مقامكم الرفيع للغاية ، ثم أعرض أنّ هذا الشرف الذي صيّرني واسطة لتقديم حاسيات دولة إنكلترا الفخيمة إلى حضرتكم ، أعتبره شرفًا عظيمًا لا مزيد عليه ، وقد كنتُ شاهدت اجتهاد عظمتكم في تخليص عدّة أناس كانوا مضطهدين ، حتى إنني حصلتُ بذلك على حاسيات التعجب . والآن لي الشرف بأن أكون مبلغًا لكم ما سطرته ، وداعيًا لعظمتكم.
حرر في 24/8/1860 من قنصلاتو دولة إنكلترا في دمشق)).
وبعد هذا بعثت الملكة بندقيةً هدية للأمير مكتوبًا على ظهر صندوقها : من حضرة جلالة ملكة المملكة المتحدة بريطانيا العظمى إلى صاحب السمو الأمير عبد القادر ، تذكارًا للمساعدة الخيرية المبذولة للمسيحيين في دمشق سنة 1860.انتهى
إذن إنّ أوّل مَنْ منح الأمير تقديرًا ونيشانًا ووسامًا هو الخليفة والسلطان العثماني ، وباسم الدولة العثمانية . فهذا يدل أنّ موقف الأمير من أحداث فتنة النصارى في الشام ، كان في جانب الدولة العثمانية وخدمة مصالحها ، ونصرة سلطانها ، ولذلك استحقّ هذا التكريم.
وأما النياشين والأوسمة الأوربيّة فقد علمتم سببها ومناسبتها ، والقضية كما رأيتم لا علاقة لها بالماسونية لا من قريب ولا من بعيد!! وإنما هي أوسمة منحتها الدول والحكومات ، وليس جمعيات سريّة! والأمير لم يضعها إلاّ مرّة واحدة وأُخِذَت له بضعة صور ، ولم يكن سعيدًا بذلك ؛ كما روى عنه أبناؤه ؛ وكان الغرض من تلك الصور أن تنشر في الصحف الأوربيّة فيرى الشعب الأوربي بنفسه تكريمَ ملوكه وحكَّامه للرجل الذي كانوا بالأمس يطعنون فيه ويظهرونه بصورة العربي المسلم المتعصِّب والحاقد على المسيحية ، والهمجي المتعطش للدماء ، وأن حربه مع الفرنسيين كانت فقط لأنهم مسيحيون لا لأنهم غزاة معتدون!!
واليوم هم يعترفون بأنه داعية سِلم لا سفّاح ، ولا يحقد على الديانة المسيحية وإنما يتعامل مع أصحابها المعاهَدِين (أهل الذمَّة) وفقًا لأحكام الإسلام ، فلا يسمح بالاعتداء عليهم وتقتيل العُزَّل منهم ، بخلاف المعتدين والغزاة. تقول الأميرة بديعة بنت مصطفى الحسني متحدِّثَةً عن قصة صورة الأمير بالأوسمة:((...وما من شيء يُحمل إلا لهدف، وهدف الأمير لم يكن للتزيّن أو التفاخر، لأنه كان يحمل وسامًا واحدًا يعتزّ به، وهو وسام الجهاد. والدليل على ذلك عدم ظهوره في أي مناسبة بهذه الأوسمة، وأنه لم يذهب بها إلى احتفالات افتتاح قناة السويس عام 1864م ولا غيرها.وكانت غايته من أخذ صورة بها هو تحذير جميع الأطراف من العودة إلى مثل تلك المغامرات الخطيرة. لقد أراد من إشهارها القول للمستعمرين إني جعلت خططكم هباءً منثورًا ، وما أرسلتموه من تقدير لعملي هو ميثاق منكم بعدم العودة للتفريط في حقّ الإنسانية. وأراد القول للذين أسرفوا على أنفسهم: حذار أن تثقوا بالمستعمرين! فلقد غرّروا بكم ودفعوكم إلى عمل طائش طالما حذّرتكم منه. انظروا، لقد تبرّؤوا منكم وقدموا الأوسمة صاغرين لمن وقف ضد طموحاتهم. هذا ما كنت أسمعه من جدتي زينب عندما كانت تنظر إلى صورته هذه وتقول: كم كان أبي حزينًا عندما وضعنا له هذه الأوسمة لأخذ صورة فوتوغرافية له، وقد وُضعت مرة واحدة ولغاية واحدة كما أسلفت)).انتهى[انظر (أصحاب الميمنة إن شاء الله)ص224].
وقد يتساءل البعض فيقول إنه رأى هذه الأوسمة في عدّة صور مختلفة للأمير عبد القادر.
وفي الجواب أقول : ليس بين أيدينا للأمير عبد القادر الجزائري سوى أربع صور فوتوغرافية شخصية، واحدة منها فقط فيها تلك الأوسمة! أمّا الثلاث الأُخَر فيظهر فيها الأمير بزيّه المعروف (الجبّة والعِمامة) ونحن لا نشاهد هذه الصور الأربع في معظم وسائل الإعلام والنشر! في حين أن الصور الأخرى المنتشرة ـ وياللأسف ـ في الصحافة والإعلام العربي والغربي إنما هي صور مرسومة ومتخيّلة وفيها اختلاف كبير في شكل الأمير وهيئته!
والصور الفوتوغرافية الحقيقية للأمير أُخِذَت له في عدّة مناسبات أشهرها تلك التي كان حاضرًا فيها حفل افتتاح قناة السويس سنة (1869م) ، والناظر إلى تلك الصورة يجد الأمير فيها بلباسه البسيط (الجبة والعمامة) ولا وجود لأي أوسمة أو نياشين (سواء التي حصل عليها سنة 1860م أو غيرها!)، مع أنّ الحفل يحضره ملوك وأباطرة العالم ، وكانت العادة في ذلك العصر أنّ الشخصيات المرموقة إذا حضرت مثل تلك الاحتفالات تزيّنت بكل ما تملكه من أوسمة ونياشين!
ولو نظرنا إلى صورة بعض رجال الدولة العثمانية في ذلك الوقت لرأينا صدره وبطنه قد غُشّي بالأوسمة والنياشين والأشرطة ، والمتصفح لكتب التراجم والأعلام المصوَّرَة يرى صور الوُلاة ورجال الدولة العثمانيين وكثيرًا من الوجهاء في تركيا ومصر والشام وقد غشّيت صدورهم بالأوسمة ، وكانت عادة منتشرة!
في حين أن المعروف عن الأمير أنه لم يكن يضع تلك الأوسمة حتى في المناسبات الرسمية وكان مظهره دائمًا عاديًا وبسيطًا ، كيف لا وهو الذي كلما ازدادت شهرته وتعظيم الناس له ازداد تواضعًا وتبسّطًا ، هذا كان منهجه وطريقته كما وصفه المترجمون له. والأمير كان ذائع الصيت مُحْتَرَمًا عند الجميع ومآثره معروفة فلا حاجة له إلى إظهار الأوسمة أو ما شابهها ليلفت انتباه الآخرين. بخلاف غيره!!
والناظر إلى الصورة الفوتوغرافية الشخصية للأمير والتي فيها تلك الأوسمة ، يجد أنّ الأوسمة الثلاثة التي وُضِعت أعلى الصدر إنما هي الأوسمة العثمانية!، وإلى أسْفَلَ منها يجد الأوسمة الأربعة الأخرى ، وأمّا الشريط الأحمر الذي يتقلّده فهو وسام (الليجون دونور) الفرنسي. و ارتداها بامر من الخليفة العثماني الذي لا يرد امره خصوصا انه كان يريد اظهار تسامح الاسلام للشعوب الاوروبية و ما كان من الامير عبد القادر الا تنفيذ امره و لو مكرها .
والعجيب أنّ بعض الناس المروّجين لتهمة انتساب الأمير إلى الماسونية ، إذا سُئِلوا عن دليلهم على ما يزعمون؟ أجابوا بأنّ الشريط الأحمر الذي على صدر الأمير هو شعار الماسونية!!
وهذه سقطة كبيرة منهم ، وسببها أنهم يجهلون أوصاف ورتب الأوسمة الخاصة بكل دولة. كما يجهلون شعارات الماسونية. فليس في شعارات الماسونية هذا الشريط (الوسام) ، في حين أنه وسام معروف ومشهور وهو وسام (الليجون دونور Légion d'honneur ) الفرنسي الذي ارسلته تظاهرا بشكره لحماية المسيحيين بينما كانت تقف وراء تلك الفتنة و القصة معروفة ، وهذا مثبت في المراجع المتخصصة في هذا الشأن.را)).
اما عن شعار النجمة السداسية فهو شعار بلاد المغرب و الاندلس لقرون قبل ظهور الماسونية و الصهيونية و هو موجود في كل المساجد المغاربية و الاندلسية فهو شكل هندسي كان يستخدم للزخرفة و الرايات و كان رمزا مكتوبا فيه اسماء الخلفاء الراشدين و كل زاوية يكتب فيها : الله ، محمد، أبو بكر، عمر، عثمان و علي.
أما النصوص المكتوبة على الراية فهي : "نصر من الله و فتح قريب و بشر المؤمنين يا محمد" "ناصر الدين عبد القادر إبن محي الدين" و هو مازال في متحف الجيش الوطني في الجزائر و يستطيع اي شخص مشاهدته و التاكد فهو مجرد رمز هندسي كان المسلمون يستخدمونه في راياتهم و زخارفهم حتى القرن العشرين توقفو عن ذلك بعد ان اختاره الصهاينة كرمز لكيانهم.


 

lundi 29 mai 2023



Blida (Algérie ) 1899
Le Mausolée de Sidi Yakoub Echerif
Le fondateur de la ville des Roses était venu en 1532 sur les traces de Sidi Yakoub qu’il vénérait comme son maître spirituel. Il occupe, ainsi, une place importante dans l’histoire de la ville des Roses.
Qui était Sidi Yakoub Echerif ? L’homme qui le connaissait le mieux était son wakil, Mohammed Abed, disparu vers 1875. Ses souvenirs ont été consignés par Trumelet en 1887. En novembre et décembre 1839, alors que Blida était occupée, le site du « Bois sacré », qui occupait un espace de plus de 50 hectares, a été le théâtre de violents combats entre les troupes du général Duvivier et des détachements de l’armée de l’Emir Abd El-kader, sous le commandement de Si Mohammed Benaïssa El Berkani, khalife de Médéa. A la suite de ces attaques, Duvivier retourne ses colères contre la belle ceinture verte d’orangers et grenadiers qui entourait la ville blanche qu’il fait arracher. Il ordonne de détruire impitoyablement plus de 80% des oliviers millénaires qui bordaient la rive de oued Erromane à partir du quartier El Djoun (le Golf) jusqu’à El Mhalla El Kebira, l’ancienne dénomination du quartier Zabana.
Après l’occupation de Blida le 7 février 1839 suite à de sanglantes résistances, les troupes françaises réquisitionnent la mosquée de Sid Ahmed El Kebir, la première érigée en 1542, bâtie par des maçons andalous. Cette première mosquée, financée par Kheireddine Barberousse, était située sur l’actuelle place du 1er Novembre, dont il ne reste que le palmier. Ce lieu devint un hôpital où ont été entassés les blessés et les malades du corps expéditionnaire français. Plus tard, transformé en église puis en école avant d’être rasé pour accueillir la place d’Armes et le kiosque à musique. L’armée coloniale investit dans le même temps le jardin luxuriant de Sidi Yakoub. Les bivouacs sont alimentés par les oliviers séculaires. Le cimetière de Sidi Yakoub, dont il ne reste que la blanche kouba du saint homme, est saccagé. Les « chouahed » de marbre blanc gravés dans un style andalou seront utilisés pour le dallage du sol. Ce sacrilège aura de profondes répercussions chez les Blidéens qui informent l’Emir Abd El-kader.
Le 1er novembre 1839, le khalife de Médéa, Si Mohammed Benaïssa El Berkani, reçoit l’ordre de positionner ses troupes régulières pour enserrer la ville. Le 20 novembre, El Berkani, qui occupe Oued Beni Azza avec 800 réguliers, 600 fantassins et un millier de goumiers, attaque une importante colonne du général Duvivier qui achemine des armes et des vivres en provenance de Boufarik. Après ce coup de main, il trace à travers Ouled Yaïche et reprend les gorges de Cheffa pour rejoindre Médéa. Le 18 décembre, il revient avec une batterie de canons qu’il place à Bab Moussa dans les environs de Koudiet Mimèche sur les hauteurs de la ville. Il fait feu sur les positions des Français. La canonnade était médiocre, mais le but de la manœuvre d’El Berkani était une diversion pour permettre aux fantassins des Hadjout et Beni Salah d’encercler le bois de Sidi Yakoub et de tomber sur l’ennemi.
La légende donne au bois sacré une origine mystérieuse. En effet, de retour des Lieux saints, Sidi Yakoub décide de camper à l’endroit qu’il avait occupé à Blida trois ans auparavant. Mais ses éclaireurs n’ont pas réussi à le localiser en dépit des multiples recherches. C’est alors que le saint homme s’écria : « Voyez donc ! Les piquets de nos tentes sont encore fichés en terre et disposés dans l’ordre où vous les avez placés ». Il descend de cheval et fait une prière de remerciements en disant : « Oh Dieu Tout-Puissant ! Suis-je à ce point aveugle pour n’apercevoir que des arbres à l’endroit que Tu indiques pour finir ici mon chemin ? Par Ta Volonté, les piquets de nos tentes ont poussé pour devenir ces majestueux arbres afin que tout homme soumis à Ta Loi puisse trouver sous ses feuillages un abri contre l’ardeur du soleil. » Des jours et des semaines passent, Sidi Yakoub réunit ses fidèles pour leur annoncer sa décision irrévocable de finir ici son voyage. « Je sens la vie m’échapper, leur dit-il. Je laisserai mon corps ici, loin de mes ancêtres, partez et dispersez la nouvelle où que vous soyez qu’en ce lieu béni, la paix de l’âme sera assurée à tout voyageur fatigué par sa marche ».
A la prière du fejr, le saint homme est trouvé assis, en position de prière. Il était mort au petit matin. Sid Ahmed El Kebir, qui est venu plus tard sur les pas de Sidi Yakoub, aurait recommandé la « ziara » de Sidi Yakoub avant la sienne. Et durant des siècles, les Blidéens venaient tous les samedis en procession. Ils y entraient les pieds nus. La tradition sera brisée par les Français. En 1860, pour le voyage de Napoléon III en Algérie, Sidi Yakoub devint un jardin public. Un poète anonyme composera une kacida en l’honneur de ce pieux personnage, reprise par le grand maître du chaâbi Kamel Bourdib.


 

vendredi 26 mai 2023


🔵أبو مدين شعيب التلمساني
دأب أهل المغرب العربي على زيارة بيت المقدس منذ ما قبل الاحتلال الفرنجي لمدينة بيت المقدس وما حولها سنة 492ه/1099م، فقد اعتادت جماعات من أهل المغرب العربي السفر لبيت المقدس لزيارة مسجدها والصلاة فيه، وطلب العلم، والمشاركة في جهاد الفرنجة الصليبيين، وتزايدت أعداد الجزائريين والأندلسيين الذين فضّلوا الاستقرار في هذه الديار المقدسة خصوصاً بعد استرجاع القدس من الفرنجة سنة 583ه/1187م، ومرةً أخرى بعد ضياع الأندلس سنة 898ه/1492م.
وكان لأهل المغرب العربي دورٌ بارزٌ في فتح بيت المقدس وكسر شوكة الفرنجة في فلسطين، فقد تطوعوا في جيوش نور الدين زنكي، وكان نور الدين يخصص لهم أوقافاً خاصة لاستنقاذ أسراهم من الصليبيين، كما طلب الناصر صلاح الدين الأيوبي من سلطان الموحدين يعقوب المنصور مد يد العون وتزويده بأساطيل بحرية كي تُنازل أساطيل الفرنجة، فجهّز سلطان الموحدين أسطولا كبيراً لمساندة الجيش الإسلامي في المشرق العربي.
منذ ذلك التاريخ أخذ هذا المكان من مدينة القدس يُعرف باسم حارة المغاربة (نسبة إلى سكان المغرب العربي) الذي أزاله الصهاينة بعد احتلالهم باقي المدينة، بعد ما عملت جرافاتهم على مدار ثلاثة أيام هي 11 و12 و13 من حزيران عام 1967م، هدمت خلالها أكثر من 135 منزل أثري، وحوّلوها إلى ساحة حائط المبكى (البراق).
وقد أسكن الناصر صلاح الدين الأيوبي أعداداً من المغاربة في بيت المقدس بعد انتصار المسلمين في معركتي حطين وفتح بيت المقدس على الفرنجة، ثم أوقف ابنُه الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين المساكن المحيطة بحائط البراق على مصالح الجالية المغاربية المجاورة في القدس بُغيةَ التسهيل عليهم في إقامتهم، ومنذ ذلك التاريخ أخذ هذا المكان من مدينة القدس يُعرف باسم حارة المغاربة الذي أزاله الصهاينة بعد احتلالهم باقي المدينة، بعد ما عملت جرافاتهم على مدار ثلاثة أيام هي 11 و12 و13 من حزيران عام 1967م ، هدمت خلالها أكثر من 135 منزل أثري، وحولوها إلى ساحة حائط المبكى (البراق).
وصية الأوقاف
أبو مدين شعيب بن الحسين التلمساني والمعروف باسم سيدي بومدين أو أبو مدين التلمساني ويلقب بـ"شيخ الشيوخ" ولقبه ابن عربي بـ"معلم المعلمين": فقيه ومتصوف وشاعر أندلسي
كان الشيخ الغوث أبو مدين شعيب بن حسين التلمساني المولود سنة 520 ه والمتوفى سنة 594 ه بتلمسان غربي الجزائر، يبث في محبيه وتلاميذه المغاربة روح الجهاد في سبيل بيت المقدس التي كانت واقعة تحت الاحتلال الصليبي.. وكانت النتيجة أن خرج المجاهدون من رباطه ببجاية التي تقع في الجزائر اليوم وغيرها من الحواضر والقرى بعد أن استنفرهم الأستاذ المربي قاصدين بيت المقدس للإسهام في تحرير المسجد الأقصى في معركة حطين الشهيرة سنة 583ه، تحت إمرة صلاح الدين الأيوبي، وكانوا في طليعة جيشه.
وارتحل أبو مدين إلى بيت المقدس وساهم في إنشاء رباط للجنود. وشرفه الله تعالى بقطع إحدى ذراعيه خلال الجهاد فدفنت بأرض بيت المقدس. وقد كرمه صلاح الدين بوقفية امتدت من باب المغاربة حتى باب السلسلة، ووقف عليها مزارع وبيوت وأملاك عديدة خاصة في عين كارم. ولا زالت صورة الوقفية محفوظة في سجلات المحكمة الشرعية في بيت المقدس.
جاء في وثيقة الوقف: (أوقفها بأموالها ومياهها وآبارها وسواقيها وسهلها ووعرها ومبانيها وقفا لله يصرف للسابلة من المغاربة المارين والمنقطعين للعلم والجهاد المرابطين على وصية صلاح الدين الأيوبي).
وقبل وفاة أبي مدين الغوث أوقف ما أنعم به عليه السلطان صلاح الدين من قرية (عين كارم) بكاملها بضواحي القدس الشريف، وقرية (إيوان) التي تقع داخل المدينة العتيقة ويحدها شرقاً حائط البراق. وقرية عين كارم من أشهر قرى القدس الغربية المحتلة اليوم، وفيها من العيون ومصادر المياه والأشجار المزروعة والثمار والعنب.. وكل حق يعود لهذه القرية يكون لصالح هذا الوقف. كما أوقف أبو مدين سكنا للواردين من المغاربة ومحلات ومرافق عمومية، وجعل عائدات هذا الوقف خالصة لأهل هذا الحي وجعل شروطاً واضحة لمن تكون له نظارة هذا الوقف، وشروطاً كذلك في طريقة التوزيع والمستفيدين وما يرتبط بذلك؛ وجاء في وثيقة الوقف: (أوقفها بأموالها ومياهها وآبارها وسواقيها وسهلها ووعرها ومبانيها وقفا لله يصرف للسابلة من المغاربة المارين والمنقطعين للعلم والجهاد المرابطين على وصية صلاح الدين الأيوبيس وقال في آخرها): (ومن بدل أو غير فالله حسيبه، ومن بدل أو غيّر فلعنة الله عليه والملائكة والناس أجمعين بقيت (عين كارم) أعظم أوقاف الإسلام بفلسطين، وقف الإمام والمجدد أبي مدين شعيب، أكثر من ثمانية قرون صامدة وحامية لبيت المقدس من أضعف جهاته الجهة الغربية، عند باب النبي، حتى جاء ونسفها الاحتلال الصهيوني سنة 1948 واحتلوها بالكامل.
_من كتاب المدارس الصّوفيّة المغربيّة والأندلسيّة في القرن السّادس الهجري. (ط.1). الدّار البيضاء، المغرب: دار الرّشاد الحديثة.


 


الأمير عبد القادر الجزائري
يعتبر الأمير عبد القادر من كبار رجال الدولة الجزائريين في التاريخ المعاصر ، فهو مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة ورائد مقاومتها ضد الاستعمار الفرنسي بين 1832 و 1847. كما يعد أيضا من كبار رجال التصوف والشعر وعلماء الدين . وفوق كل ذلك كان داعية سلام وتآخي بين مختلف الأجناس والديانات وهو ما فتح له باب صداقات وإعجاب كبار السياسيين في العالم.
النشأة و التكوين
هو الشيخ عبد القادر ابن الأمير محيي الدين بن مصطفى الحسني، المشهور باسم الأمير عبد القادر الجزائري، يتصل نسبه بالإمام الحسن بن علي بن ابي طالب.
والجد المباشر للأمير عبد القادر والذي تسمى على اسمه , كان الامير عبد القادر , الذي وصل من المغرب إلى الجزائر واستقر في منطقة " غريس " وأسس في في منطقة " الغيطنه " زاويته الصوفيه , ويدعى في الجزائر وعند أهل الطريقه " سيدي قاده " تحببا , ولا يزال ضريحه مزارا شريفا , على الطريقة القادرية وشيخها الإمام " عبد القادر الجيلاني " , الذي عاش ومات في بغداد .
ولد الأمير عبد القادر يوم الجمعة 23 رجب 1222هـ/مايو 1807م، بقرية القيطنة الواقعة على وادي الحمام غربي مدينة معسكر (الجزائر)، وترعرع في كنف والديه حيث حظي بالعناية والرعاية.
تلقى عبد القادر تربيته بالزاوية التي كان يتكفل بها أبوه محي الدين، أين حفظ القرآن الكريم ثم تابع دراسته بأرزيو و وهران على يد علماء أجلاء حيث أخذ منهم أصول العلوم الدينية، الأدب العربي، الشعر، الفلسفة، التاريخ، الرياضيات، علم الفلك و الطب، فصقلت ملكاته الأدبية والفقهية والشعرية في سن مبكرة من حيـاتـه.
وكان على علم و دراية تامين بعلماء أمثال أفلاطون، أرسطو، الغزالي، ابن رشد كما تبينه كتاباته. وقد تفانى طوال حياته في تجديد علمه و إثراء ثقافته.
لم يكتف الشاب عبد القادر بتلقى العلوم الدينية و الدنيوية بل اهتم أيضا بالفروسية و ركوب الخيل و تعلم فنون القتال، فتفوق في ذلك على غيره من الشباب. و بذلك كان عبد القادر من القلائل جدا الذين جمعوا بين العلوم الدينية و الفروسية، عكس ما كان عليه الوضع آنذاك إذ انقسم المجتمع إلى المرابطين المختصين في الدين و الأجواد المختصين في الفروسية و فنون القتال.
و كان يبدو و هو في الثالثة عشرة من عمره جميل الصورة حلو التقاطيع، ذا شخصية عميقة جذابة، يأسر الناس بلطفه، و يكسب ثقتهم بثقافته. و في تلك السن المبكرة بدأ ينظم الشعر و يعرضه على أبيه، فيشجعه و يسدده و هو موقن بأن مستقبل ابنه قد تحدد، و معالم شخصيته قد اتضحت، فكل شيء من حوله كان يعده ليكون رجل أدب و علم و دين. فبينما كان أترابه يمرحون و يعبثون في الكروم و البساتين المحيطة بقرية القيطنة، كان هو يلازم مجالس أبيه التي تضم نخبة من أهل الأدب و العلم، فيصغي إليهم مأخوذا مبهورا و هم يتبادلون الآراء و يتناشدون الشعر، و يتجادلون في معضلات الفقه أو يتذاكرون وقائع التاريخ.
و لم ترتح السلطة التركية لتلك المجالس، و ما يدور فيها من آراء، ففرضت على محي الدين الحسني سنة 1821 الإقامة الجبرية في وهران، فانتقل عبد القادر مع أبيه إلى تلك المدينة، و أتيح له أن يتعرف بنخبة جديدة من أهل الأدب و العلم، و أن يطلع على ألوان جديدة من الحياة، و أن يزداد إيمانا بفساد الحكم التركي و الحاجة الماسة إلى التطور و الإصلاح. و في هاته الفترة أي في عام 1823 زوجه والده من لالة خيرة وهي ابنة عم الأمير عبد القـــادر.
و بعد سنتين من الاحتجاز تدخل داي الجزائر فسمح لهما بالذهاب إلى الحج معتقدا بأن ذلك وسيلة لإبعادهما عن البلاد حتى و لو لمدة قصيرة.
سافر عبد القادر مع أبيه عام 1241هـ/ 1825م إلى البقاع المقدسة عبر تونس ،ثم انتقل بحرا إلى الإسكندرية و منــها إلى القاهرة حيث زار المعالم التاريخية وتعرف إلى بعض علمائها وشيوخها وأعجب بالإصلاحات والمنجزات التي تحققت في عهد محمد علي باشا والي مصر. ثم أدى فريضة الحج، ومنها انتقل إلى بلاد الشام لتلقي العلم على يد شيوخ جامع الأمويين.
ومن دمشق سافر إلى بغداد أين تعرف على معالمها التاريخية واحتك بعلمائها ، ووقف على ضريح الولي الصالح عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة القادرية، التي تضم زاوية القيطنة، مما سمح للأمير و والده بالابتعاد عن سيطرة باي وهران الذي كان متخوفا من النفوذ العقائدي الذي كان يتسم به كل من محي الدين و ابنه عبد القادر.
ليعود مرة ثانية إلى البقاع المقدسة عبر دمشق ليحج. وبعدها رجع مع والده إلى الجزائر عبر القاهرة ثم إلى برقة ومنها إلى درنة وبنغازي فطرابلس ثم القيروان والكاف إلى أن وصلا إلى القيطنة بسهل غريس في الغرب الجزائري عام 1828 م .
دخول الاحتلال الفرنسي
ولم يمض وقت طويل حتى تعرضت الجزائر لحملة عسكرية فرنسية شرسة، وتمكنت فرنسا من احتلال العاصمة فعلاً في 5 يوليو 1830م، واستسلم الحاكم العثماني سريعًا .
و بعد أقل من شهر واحد, أي في 20 يوليو 1830, اجتمع زعماء القبائل في تامنفوست و بينهم بومزراق عن التيتري, و زمّوم عن أفليسان, و محي الدين والد عبد القادر عن منطقة معسكر و أعلنوا بداية المقاومة الوطنية, فقد انتهت مقاومة الجزائر الرسمية لتبدأ فيها المقاومة الشعبية.
و بعد سقوط وهران عام 1831 ،عمت الفوضى و اضطربت الأحوال مما دفع بشيوخ وعلماء ناحية وهران إلى البحث عن شخصية يولونها أمرهم، فوقع الاختيار على الشيخ محي الدين والد عبد القادر، لما كان يتسم به من ورع وشجاعة ،فهو الذي قاد المقاومة الأولى ضد الفرنسيين سنة 1831كما أبدى ابنه عبد القادر شجاعة وحنكة قتالية عند أسوار مدينة وهران منذ أول اشتباك له مع المحتلين، ولكن الرجل اعتذر عن الإمارة وقبل قيادة الجهاد، فأرسلوا إلى صاحب المغرب الأقصى ليكونوا تحت إمارته، فقبل السلطان "عبد الرحمن بن هشام" سلطان المغرب، وأرسل ابن عمه "علي بن سليمان" ليكون أميرًا على وهران، وقبل أن تستقر الأمور تدخلت فرنسا مهددة السلطان بالحرب، فانسحب السلطان واستدعى ابن عمه ليعود الوضع إلى نقطة الصفر من جديد، ولما كان محيي الدين قد رضي بمسئولية القيادة العسكرية، فقد التفت حوله الجموع من جديد، وخاصة أنه حقق عدة انتصارات على العدو، وقد كان عبد القادر على رأس الجيش في كثير من هذه الانتصارات، فاقترح الوالد أن يتقدم "عبد القادر" لهذا المنصب قائلا: "…ولدي عبد القادر شاب تقي ،فطن صالح لفصل الخصوم و مداومة الركوب مع كونه نشأ في عبادة ربه، ولا تعتقدوا أني فديت به نفسي ،لأنه عضو مني وما أكرهه لنفسي أكرهه له …غير أني ارتكبت أخف الضررين حين تيقنت الحق فيما قلتموه ،مع تيقني أن قيامه به أشد من قيامي و أصلح …فسخوت لكم به".
رحب الجميع بهذا العرض ،وفي 13 رجب 1248هـ/ 27 نوفمبر 1832 اجتمع زعماء القبائل والعلماء في سهل غريس قرب معسكر وعقدوا لعبد القادر البيعة الأولى تحت شجرة الدردارة، ولقبه والده بـ "ناصر الدين" واقترحوا عليه أن يكون "سلطان" ولكنه اختار لقب "الأمير"، ثم تلتـها البيعة العامة في 4 فبراير 1833.
في هذه الظروف تحمل الأمير مسؤولية الجهاد و الدفاع عن الرعيــة و ديار الإسلام وهو في عنفوان شبابه. وما يميز هذه المرحلة ،انتصاراته العسكرية و السياسية- التي جعلت العدو الفرنسي يتـــردد في انتهاج سياسة توسعية أمام استماتة المقاومة في الغرب و الوسط ، والشرق .
أدرك الأمير عبد القادر منذ البداية أن المواجهة لن تتم إلا بإحداث جيش نظامي مواظب تحت نفقة الدولة .لهذا أصدر بلاغا إلى المواطنين باسمه يطلب فيه بضرورة تجنيد الأجناد وتنظيم العساكر في البلاد كافة.
وقد وجه الأمير خطابه الأول إلى كافة العروش قائلاً: "… وقد قبلت بيعتهم (أي أهالي وهران وما حولها) وطاعتهم، كما أني قبلت هذا المنصب مع عدم ميلي إليه، مؤملاً أن يكون واسطة لجمع كلمة المسلمين، ورفع النزاع والخصام بينهم، وتأمين السبل، ومنع الأعمال المنافية للشريعة المطهرة، وحماية البلاد من العدو، وإجراء الحق والعدل نحو القوى والضعيف، واعلموا أن غايتي القصوى اتحاد الملة المحمدية، والقيام بالشعائر الأحمدية، وعلى الله الاتكال في ذلك كله".
فاستجابت له قبائل المنطقة الغربية و الجهة الوسطى، و التف الجميع حوله بالطاعة كون منهم جيشا نظاميا سرعان ما تكيف مع الظروف السائدة و استطاع أن يحرز عدة انتصارات عسكرية.
يتبع...
________________________________________
مقاومة الأمير عبد القادر
تمثل مقاومة الأمير عبد القادر مرحلة هامة من مراحل الكفاح المسلح للشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي في طوره الأول، فبعد مبايعة الأمير عبد القادر في نوفمبر 1832، وهو في عز شبابه شرع في وضع مشروع بناء دولة حديثة ،فكانت حياته مليئة بالإنجازات العسكرية والسياسية والحضارية.
ويمكن تقسيم المقاومة إلى ثلاث فترات
مرحلة القوة 1832-1837
عمل الأمير على توحيد صف مختلف القبائل حول مسألة الجهاد، وبسط نفوذه على أغلب الغرب الجزائري وأتخذ من مدينة معسكر عاصمة له وشرع في تنظيم المقاومة ، فاستولى على ميناء آرزيو لتموينها ، وشرع في تنظيم الجيش ، إضافة الى فرق المدفعية ودربهم على حرب العصابات ، وفي إطار التنظيم العسكري زيادة على توحيد الأوامر والقوانين العسكرية الدالة على الانضباط والصرامة في المؤسسة العسكرية مثل :
- وضع سلم تسلسلي للرتب العسكرية على النحو التالي : رقيب - رئيس الصف - السياف - الآغا.
-قسم الوحدات الأساسية في الجيش النظامي إلى كتائب و تضم الكتيبة الواحدة مائة جندي.
-وسـع دائرة نفوذه إلى أنحاء أخرى من الوطن شملت جزءا كبيرا من إقليم تلمسان ومليانة والتيطري (المدية).
وتوسع نفوذ الأمير عبر الغرب الجزائري خاصة بعد انتصاراته العسكرية ، وقد كانت بطولته في المعارك مثار الإعجاب من العدو والصديق فقد رآه الجميع في موقعة "خنق النطاح" التي أصيبت ملابسه كلها بالرصاص وقُتِل فرسه ومع ذلك استمر في القتال حتى حاز النصر على عدوه، وأمام هذه البطولة اضطرت فرنسا إلى عقد اتفاقية هدنة معه عرفت باسم القائد الفرنسي في وهران وهي معاهدة "دي ميشيل" في عام 1834، وبهذه الاتفاقية اعترفت فرنسا بدولة الأمير عبد القادر، وبذلك بدأ الأمير يتجه إلى أحوال البلاد ينظم شؤونها ويعمرها ويطورها، وقد نجح الأمير في تأمين بلاده إلى الدرجة التي عبر عنها مؤرخ فرنسي بقوله: "يستطيع الطفل أن يطوف ملكه منفردًا، على رأسه تاج من ذهب، دون أن يصيبه أذى!!".
غير أن الجنرال تريزيل الذي خلف الجنرال ديميشال منذ عام 1835،لم يحترمها و حاول إيجاد الفرصة لمعاودة قتال الأمير و نقض معاهدة الصلح، و فعلا اغتنم فرصة لجوء قبائل الدوائر و الزمالة إليه . طلب الأمير من الجنرال تريزيل أن يرفع حمايته عن هذه القبائل ليعيدها إلى سلطته إلا أن هذا الأخير رفض ، فأستؤنف القتال من جديد حيث التقا في حوش غابة مولاي إسماعيل قرب مدينة سيق يوم 26 جوان 1835اين دارت بينهما معركة سيق ، انهزم فيها الفرنسيون. ثم التقيا مرة أخرى في معركة المقطع 27 جوان تكبدت فيها القوات الفرنسية هزيمة نكراء ترتبت عنها انعكاسات و آثار منها :
1-عزل الحاكم العام ديرلون والجنرال تريزل.
2-تعيين الماريشال كلوزيل حاكما عاما على الجزائر في جويلية 1835 وإرسال قوات كبيرة لمواجهة الأمير.
قام كلوزيل بمهاجمة معسكر عاصمة الأمير ، إلا أنه وجدها خالية فغادرها إلى تلمسان التي احتلها ، إلا أن جيوش الأمير بقيت تسيطر على الطريق الرابط بين تلمسان وهران، فأصبح الجيش الفرنسي محاصرا داخل أسوار المدينة. و لرفع الحصار ، قاد الجنرال بيجو حملة عسكرية كبيرة حقق على إثرها انتصارا في موقعه وادي السكاك سنة 1836، ولكن الأمير نجح في إحراز نصر على القائد الجديد في منطقة "وادي تفنة" أجبرت القائد الفرنسي على عقد معاهدة هدنة جديدة عُرفت باسم "معاهد تافنة" في يوم 30 ماي 1837، كانت فرنسا من خلالها تريد تحقيق الأغراض الآتية:
-التفرغ للقضاء على مقاومة أحمد باي في الشرق الجزائري.
-إعداد فرق عسكرية خاصة بحرب الجبال.
-فك الحصار عن المراكز الفرنسية.
-انتظار وصول الإمدادات العسكرية من فرنسا.
- مرحلة تنظيم الدولة 1837-1839
وعاد الأمير عبد القادر لإصلاح حال بلاده وترميم ما أحدثته المعارك بالحصون والقلاع وتنظيم شؤون البلاد، فاستغل معاهدة التافنة لتعزيز قواته العسكرية و تنظيم دولته من خلال الإصلاحات الإدارية والتنظيمات العسكرية الآتية:
1-تشكيل مجلس وزاري مصغر يضم رئيس الوزراء ، نائب الرئيس ، وزير الخارجية ، وزير الخزينة الخاصة و وزير الأوقاف - وزير الأعشار ، الزكاة، ثم الوزراء الكتبة وهم ثلاثة حسب الحاجة و اتخذت هذه الوزارة من مدينة معسكر عاصمة لها.
2- تأسيس مجلس الشورى الأميري و يتكون من 11 عضوا يمثلون مناطق مختلفة.
3- التقسيم الإداري للبلاد إلى ولايات وكل ولاية يديرها خليفة، وقسم الولاية إلى عدة دوائر و وضع على رأس كل دائرة قائدا يدعى برتبة آغا و تضم الدائرة عددا من القبائل يحكمها قائد ،و يتبع القائد مسؤول إداري يحمل لقب شيخ.
4-تنظيم الميزانية وفق مبدأ الزكاة وفرض ضرائب إضافية لتغطية نفقات الجهاد وتدعيم مدارس التعليم…الخ.
5-تدعيم القوة العسكرية بإقامة ورشات للأسلحة و الذخيرة وبناء الحصون على مشارف الصحراء.حتى يزيد من فاعلية جيشه .
6-تصميم علم وطني وشعار رسمي للدولة.
7-ربط علاقات دبلوماسية مع بعض الدول .
-مرحلة الضعف 1839-1847
بادر المارشال فالي إلى خرق معاهدة التافنة بعبور قواته الأراضي التابعة للأمير، فتوالت النكسات خاصة بعد أن انتهج الفرنسيون أسلوب الأرض المحروقة، كما هي مفهومة من عبارة الحاكم العام الماريشال بيجو: "لن تحرثوا الأرض، وإذا حرثتموها فلن تزرعوها ،وإذا زرعتموها فلن تحصدوها..." فلجأ الفرنسيون إلى الوحشية في هجومهم على المدنيين العزل فقتلوا النساء والأطفال والشيوخ، وحرقوا القرى والمدن التي تساند الأمير.
وبدأت الكفة ترجح لصالح العدو بعد استيلائه على عاصمة الأمير تاقدامت 1841، ثم سقوط الزمالة -عاصمة الأمير المتنقلة- سنة 1843 و على إثر ذلك اتجه الأمير إلى المغرب في أكتوبر عام 1843 الذي ناصره في أول الأمر ثم اضطر إلى التخلي عنه على إثر قصف الأسطول الفرنسي لمدينة طنجة و الصويرة (موغادور)، وتحت وطأة الهجوم الفرنسي يضطر السلطان المغربي إلى طرد الأمير عبد القادر، بل ويتعهد للفرنسيين بالقبض عليه. الأمر الذي دفعه إلى العودة إلى الجزائر في سبتمبر 1845 محاولا تنظيم المقاومة من جديد .
يبدأ الأمير سياسة جديدة في حركته، إذ يسارع لتجميع مؤيديه من القبائل، ويصير ديدنه الحركة السريعة بين القبائل فإنه يصبح في مكان ويمسي في مكان آخر حتى لقب باسم "أبا ليلة وأبا نهار"، واستطاع أن يحقق بعض الانتصارات، ففي عام 1846 و أثناء تنقلاته في مناطق الجلفة و التيتري مدعوما بقبائل أولاد نائل قام الأمير بعدة معارك مع العدو من بينها معارك في زنينة، عين الكحلة و وادي بوكحيل، وصولا إلى معارك بوغني و يسر في بلاد القبائل.
غير أن الأمر استعصى عليه خاصة بعد فقدان أبرز أعوانه، فلجأ مرة ثانية إلى بلاد المغرب، وكانت المفاجأة أن سلطان المغرب وجه قواته لمحاربة الأمير، ومن ناحية أخرى ورد في بعض الكتابات أن بعض القبائل المغربية راودت الأمير عبد القادر أن تسانده لإزالة السلطان القائم ومبايعته سلطانًا بالمغرب، وعلى الرغم من انتصار الأمير عبد القادر على الجيش المغربي، إلا أن المشكلة الرئيسية أمام الأمير هي الحصول على سلاح لجيشه، ومن ثم أرسل لكل من بريطانيا وأمريكا يطلب المساندة والمدد بالسلاح في مقابل إعطائهم مساحة من سواحل الجزائر: كقواعد عسكرية أو لاستثمارها، وبمثل ذلك تقدم للعرش الإسباني ولكنه لم يتلقَ أي إجابة، وأمام هذا الوضع اضطر في النهاية إلى التفاوض مع القائد الفرنسي "الجنرال لامور يسيار" على الاستسلام على أن يسمح له بالهجرة إلى الإسكندرية أو عكا ومن أراد من اتباعه، وتلقى وعدًا زائفًا بذلك فاستسلم في 23 ديسمبر 1847م.
المعاناة والعمل الإنساني :
في 23 ديسمبر 1847 سلّم الأمير عبد القادر نفسه بعد قبول القائد الفرنسي لامورسير بشروطه، ونقله إلى مدينة طولون، وكان الأمير يأمل أن يذهب إلى الإسكندرية أو عكا كما هو متفق عليه مع القادة الفرنسيين، ولكن أمله خاب ولم يف الفرنسيون بوعدهم ككل مرة، عندها تمنى الأمير الموت في ساحة الوغى على أن يحدث له ذلك وقد عبّر عن أسفه هذا بهذه الكلمات "لو كنا نعلم أن الحال يؤدي إلى ما آل إليه، لم نترك القتال حتى ينقضي الأجل". وبعدها نقل الأمير وعائلته إلى الإقامة في "لازاريت" ومنها إلى حصن "لامالغ" بتاريخ 10 جانفي 1848 ولما اكتمل عدد المعتقلين من أفراد عائلته وأعوانه نقل الأمير إلى مدينة "بو" PAU في نهاية شهر أفريل من نفس العام، ليستقر بها إلى حين نقل إلى آمبواز . في 16 أكتوبر 1852 .
ظل الأمير عبد القادر في سجون فرنسا يعاني من الإهانة والتضييق حتى عام 1852م ، ثم استدعاه نابليون الثالث بعد توليه الحكم، وأكرم نزله، وأقام له المآدب الفاخرة ليقابل وزراء ووجهاء فرنسا، ويتناول الأمير كافة الشؤون السياسية والعسكرية والعلمية، مما أثار إعجاب الجميع بذكائه وخبرته، ودُعي الأمير لكي يتخذ من فرنسا وطنًا ثانيًا له، ولكنه رفض، ورحل إلى الشرق.
استقر الأمير في استانبول، و التقى فيها بسفراء الدول الأجنبية، وخلال إقامته زار ضريح أبي أيوب الأنصاري و وقف في جامع آيا صوفيا، إلا أنه فضل الإقامة في مدينة بورصة لتاريخها العريق ومناظرها الجميلة ومعالمها الأثرية، لكنه لم يبق فيها طويلا نتيجة الهزات الأرضية التي كانت تضرب المنطقة من حين لآخر، فانتقل إلى دمشق عام 1855 بتفويض من السلطان العثماني.
وفي دمشق تفرغ الأمير عبد القادر للقراءة والتصوف والفقه والحديث والتفسير ، و أخذ مكانة بين الوجهاء والعلماء، وقام بالتدريس في المسجد الأموي كما قام بالتدريس قبل ذلك في المدرسة الأشرفية، وفي المدرسة الحقيقية.
وكانت أهم المواقف الإنسانية التي سجلت للأمير، تصديه للفتنة الطائفية التي وقعت بين المسلمين والمسحيين في الشام عام 1276/1860. فكان للأمير دور فعال في حماية أكثر من 15 ألف من النصارى، إذ استضافهم في منازله.
و تحول الأمير إلى شخصية عالمية تحظى بالتقدير و الاحترام في كل مكان يذهب إليه حيث دعي لحضور احتفال تدشين قناة السويس عام 1869.
توفي يوم 26 ماي 1883 في دمر ضواحي دمشق عن عمر يناهز 76 سنة، دفن بجوار ضريح الشيخ محي الدين بن عربي الأندلسي بالصالحية، و نقل جثمانه إلى الجزائر في عام 1966 و دفن بمقبرة الشهداء بالعالية


 

vendredi 19 mai 2023


عندما تثور الأقلام..
الذكرى اضراب الطلبة الجزائريين في 19 ماي 1956
تحيي الجزائر الذكرلإضراب الطلبة الجزائريين في 19 ماي 1956، والذي شكل مرحلة حاسمة في تاريخ الثورة التحريرية المجيدة، بالتفاف جميع شرائح المجتمع حولها، وانخراط طلبة الجامعات والثانويين في الداخل والخارج في مسيرة الكفاح المسلح، مضحين بمستقبلهم الدراسي ومحولين أقلامهم إلى مدافع ورشاشات ضد الاستعمار الغاشم.
فقد وجدت جبهة التحرير الوطني في إضراب الطلبة والثانويين دعما كبيرا لعملها وإصرارها على تصعيد الكفاح المسلح من اجل الحرية والإستقلال، لا سيما وأن هذه التظاهرة التي أكدت ثقة الشعب الجزائري بكل شرائحه في قيادة ثورته جاءت لتفند أكاذيب المستعمر وادعاءاته بأن "الثورة لا وجود لها في الواقع وان ما يحدث لا يعدو أن يكون سوى أعمال شغب وإرهاب تقودها بعض المجموعات الطائشة وقطاع طرق". ليشكل بذلك إضراب الطلاب والثانويين ردا سريعا وقاسيا على فرنسا الاستعمارية، وإعلانا رسميا عن التحاق هذه الفئة الوطنية بصفوف الثوار.
وبالنظر لأهمية هذا الحدث التاريخي لم يتوان بعض المؤرخين والمجاهدين الذين شاركوا فيه بوصف هذا الإضراب بالمحطة التاريخية الثالثة، في مسيرة الثورة التحريرية بعد أول نوفمبر وأحداث 20 أوت 1955، حيث أعطى نفسا جديدا للثورة، وخيب آمال فرنسا التي كانت تراهن على كسب النخبة الجزائرية، لتلعب دور الداعي للاندماج معها.
كما يعتبر حدث 19 ماي 1956 بمثابة ملحمة تاريخية في كفاح الشعب الجزائري ضد الاستعمار، حيث امتدت الانتفاضة الطلابية من مدرجات الجامعات إلى مقاعد الثانويات وحتى إلى الزوايا، وعكست التظاهرات انصهار مختلف شرائح المجتمع الجزائري في الثورة التحريرية، وشكل الإضراب نقلة نوعية في مساهمة النخبة الجزائرية من أجل استرجاع الحرية والسيادة الوطنية، وتجلى ذلك في العبارة الشهيرة التي حملها بيان الإضراب والقائلة بأن "الشهادات لن تصنع منا أحسن الجثث". وقد وجدت هذه العبارة صدى كبيرا في أوساط الطلبة والثانويين الذين غادروا مقاعد الدراسة بأعداد كبيرة، وأكدت تلك الملحمة للعالم أجمع شعبية وشمولية الثورة التحريرية من أجل انتزاع الاستقلال.




 

mardi 16 mai 2023


Ali Boumahdi, Romancier du Titteri (1934-1994)
Ali Boumahdi est né le 17 mai 1934 dans le village de Berrouaghia, situé au sud de Médéa. A cette époque, l’ordre colonial régnait en Algérie, et les paysans du Titteri, expropriés de leurs terres, étaient exploités par les colons français. Alors que tous les enfants européens sont scolarisés, bien peu de jeunes musulmans ont accès à l’enseignement. Pourtant Ali Boumahdi échappera à la misère, grâce à l’obtention de certificat d’études, une véritable prouesse pour un jeune musulman, dont les camarades de jeu sont condamnés à l’illettrisme. Ce diplôme lui ouvre les portes de l’enseignement secondaire, du savoir, et finalement de la liberté. Il a laissé un témoignage de sa jeunesse dans Le village des asphodèles, récit autobiographique publié en France en 1970.
Il faut préciser que ce parcours n’est pas le fruit du hasard: il a été rendu possible grâce à trois facteurs déterminants. Le premier est d’ordre familial. En effet, Ali était l’aîné de huit enfants, quatre garçons et quatre filles. A ce titre, il a eu droit à beaucoup d’égards et de largesses de la part de ses parents, qui l’ont encouragé et lui ont financé ses études en France. D’après sa mère, Khadoudja, il était doué dès son plus jeune âge et était toujours le premier de la classe; mais quelquefois, la maîtresse la classait en seconde position car il ne respectait pas toujours la discipline. Le second facteur est d’ordre social. Ali appartenait à deux grandes familles aisées. Son père Kaddour était propriétaire à Oued Chaïr de terres fertiles (nommées dans le roman les terres du “fleuve d’orge”) qui produisaient en abondance blé et amandes. De plus, Kaddour gérait avec son frère Saïd une épicerie qui leur procurait café, huile, sucre, et tissu. Quant à Khadoudja, elle était issue d’une famille bourgeoise dont le père, M`hamed Zoubiri, riche propriétaire de Médéa, exportait des moutons vers la France. Enfin, le troisième facteur est d’ordre culturel. Kaddour, lui même fils de cadi, était cultivé; il appréciait la poésie et lisait les grands auteurs arabes. Et du côté de la famille maternelle, la culture était aussi très présente puisque M`hamed Zoubiri a beaucoup oeuvré pour l’enseignement de la langue arabe; il a également participé aux activités de l’association des Ulémas Musulmans Algériens créée par le célèbre savant réformateur Ibn Badis. M`hamed Zoubiri a aussi ouvert une médersa qui est encore en activité aujourd’hui et porte son nom. Voilà les éléments favorables qui ont facilité la destinée particulière du jeune Ali.
C’est au moment où éclate la guerre d’indépendance algérienne qu’Ali Boumahdi part pour la France afin de poursuivre des études supérieures d’anglais, à la Sorbonne. Au cours de sa première année à Paris, il rencontre une jeune française, Nicole Picard, inscrite comme lui en propédeutique. Issue de la petite bourgeoisie de la région de Meaux (ses parents sont instituteurs), Nicole est une jeune fille brillante qui a collectionné les prix d’excellence au lycée de Meaux et remporté le premier prix d’anglais au concours général. Pour des raisons politiques, le début de leur relation va s’avérer des plus difficiles. On peut aisément imaginer les obstacles qui vont se présenter au jeune couple alors que la France et l’Algérie sont en guerre. Ali est obligé de s’exiler à Londres en 1958. Cet exil forcé lui permet néanmoins de se perfectionner en anglais, et sa remarquable maîtrise de la langue de Shakespeare (un de ses auteurs préférés, qu’il se plaisait à citer) lui permet d’obtenir le CAPES à son retour en France.


 

lundi 15 mai 2023


الشيخ العلاّمة عبد القادر الياجوري.. رجل الوطنية والفكر والاجتهاد
الشيخ العلاّمة المجاهد عبد القادر الياجوري كان من بين رجال الثقافة والفكر والدين والفن الذين عايشوا حقبًا عديدة ومختلفة من تاريخ هذا الوطن، فقد عاش فترة الاستعمار والاستقلال، ثم فترة حكم الرئيس ابن بلة ثم الرئيس بومدين، وكذا الرئيس الشاذلي بن جديد، وفترة اللاستقرار، وبروز ظاهرة التطرّف الديني التي أحزنته، وآلمته كثيرًا.وإنْ عُرف من طرف الكثير على أنه رجل دين فحسب، فهو في الحقيقة شاعر له ديوان شعري لم يُنشر.. جزْءٌ منه بحوزة حفيدته، وجزء آخر عند ابنه يحتوي على قصائد كثيرة تحدّث فيها العلاّمة الياجوري عن الوطن..عن المقاومة..عن الجمال والمرأة..عن التفلسف والدين، فقد قال في إحدى قصائده:توهّمتم أن التفلسف حكمة *** وأنّ خلود الدين رهن التفلسفألا إن دين الحق دين محمد *** يشيد بأعمال الصلاح ويكـتفيهو مفكّرٌ أيضا، اتّسمت مواقفه بالانفتاح والحوار في جميع مسائل الدين، كما تميّز بموهبته الخطابية، فأسلوبه بسيطٌ وخالٍ من التكلّف.ولادته ..وملاحقته للعلم دارسًا ومدرِّسًاوُلد الشيخ عبد القادر الياجوري سنة 1912م، بقرية قمار بوادي سوف درس القرآن الكريم على يد والده الفلاح،ثم انتقل إلى مدينة توزر بالجنوب التونسي أين أتقن حفظ القرآن ، وتلاوته، وتجويده وأخذ عن مشايخ منطقة الجريد مبادئ العلوم الشرعية. في سنة 1925 التحق بـجامع الزيتونة في تونس، وبقي حوالي تسع سنوات حيث تحصّل على شهادة التطويع سنة 1934.(1)تعرف إثر عودته إلى الوطن مباشرة على الشيخ عبد الحميد بن باديس في قسنطينة ، وانخرط في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كلّفه رئيسها بالإمامة، والخطابة، في المساجد، والتعليم في مدارس الجمعية. ما مكث طويلا بقسنطينة إذْ قرّر العودة إلى مسقط رأسه مدينة قمار حيث درّس هناك مدة ثلاث سنوات من سنة 1935 إلى سنة 1937 لينتقل إلى قرية البياضة بنفس المنطقة بطلب من المرحوم الشيخ عبد العزيز الشريف، فعمل بمسجدها، ومديرا للمدرسة الحرّة بها.الشيخ العلاّمة عبد القادر الياجورينزيل سجون ومعتقلات المستعمِرأُلقي القبض عليه من طرف فرنسا سنة 1938 مع مجموعة من العلماء إثر حوادث سوف الأليمة،وأُفرج عنه في 16 اجوان 1940 فنُفي يعدها إلى مدينة مليانة ليمكث بها سنتيْن تحت الرقابة، ونُقل من مكان إلى آخر، وما تحرّر من الإقامات الجبرية إلا سنة 1944م ليقبض عليه من جديد يوم 07 ماي 1945م لكنه تمكّن في اليوم الموالي وبمساعدة الدكتور سعدان رحمه الله، وبقي متخفّيا إلى غاية صدور العفو سنة 1946م(2).في سنة 1947م عيّنته جمعية العلماء أستاذا بمعهد عبد الحميد بقسنطينة، كما تولّى عدة مهام أخرى؛أصبح فاعلا في جمعية علماء الجزائريين. ألقي عليه القبض ثلاث عشرة مرة حتى يقال أنه قضى نصف حياته في السجون منها سجن الكدية بقسنطينة، كما فرضت عليه الإقامة الجبرية في مليانة: 1940 م – 1942 م كما سبق أعلاه، وفي بني عباس بعد العام 1943م حيث تزوج. وفي سنة 1954 استقرّ بمدينة وهران مع عائلته ليقوم بإدارة وتسيير مدرسة الفلاح بعد نقل شيخها سعيد زموشي إلى قسنطينة.أُلقي القبض عليه في 29 مارس 1956م وما أُفرج عنه إلاّ بوقف إطلاق النار في 19 مارس 1962م .استغلّ الياجوري فترات التدريس عبر مختلف مناطق الوطن لتقديم محاضرات ودروس معادية للوجود الفرنسي في الجزائر..بل حتى في السجون والمعتقلات التي أُدخل إليها المرّات والمرّات..مبادئ راسخة وعملٌ دؤوببعد الاستقلال التحق الياجوري بوزارة الأوقاف وعمل بها إلى غاية 1964م ثم التحق بسلك التعليم كأستاذ للتعليم الثانوي إلى غاية تقاعده سنة 1977م..لكنه واصل التدريس ، وإلقاء دروس الوعظ والإرشاد، حيث ما توقف عن المشاركة والعطاء الفكري؛ فقد قال في حوار له لأجراه الصحفي رويبي صالح عام 1987م :« … وأنا الآن أعمل حسما أعتقد من مبادئ دينية، أو سياسية وأجدني في الخط الذي آمنت به منذ 47 عامًا، وأرجو أن يوفقني الله لأعمل بقية العمر للإسلام، والعروبة، والجزائر، وللثورة الجزائرية دائمُا.»(3)كان شديد التردد على المكتبات، فقد كان يقضي أكثر من 12 ساعة لمطالعة كتب عديدة في ميادين مختلفة، كما وهب الكثير من وقته للنشاطات البيداغوجية حيث كلن يدرّس لجميع الناس، سيّما في السجون دون الاهتمام بقناعاتهم، وتوجهاتهم السياسية.صورة مشرّفة لرجل الدين العالم الفقيه المعتدلسعى الشيخ الياجوري من خلال كل ذلك إلى إعطاء صورة أخرى عن الفقه الديني، وعن دور الرجل المتديّن، أو " الإمام " حيث ذكر أن :« " الإمام " ليس تاجرا، ولا حاكمًا، ولا سياسيا، بل هو شخصٌ يدعو الجميع إلى أن يكونوا عباد الله إخوانًا، وأن يتعاملوا على أساس التعاون والتراحم، ونصرة الحقّ وإغاثة الضعيف.»هو علاّمة استوعب تحوّلات التاريخ، واستوعب جيّدا مقاصد العصرنة، فلم يتزمّت أبدا في تحريم كل شيء لمجرّد أنه جديد، كما كان أيضا مدافعًا وقريبًا جدا من الفكر الاشتراكي، فقد أبرز في إحدى محاضراته التي ألقاها بولاية سعيدة أنه: « لا فرْق بين الثورتيْن، فالإسلام دينٌ وضعه الله وأوحاه، والاشتراكية من صُنْع الإنسان، وتنظيمه الذي توخّاه.. والاشتراكية ليست شيوعية تقاوم الدين وتتهمه، وليست المادية الإلحادية، بل هي العمل الجاد، والالتزام بالعهد…»(4).كما اتبع الياجوري المذهب المالكي، لكنه وفي نفس الوقت فهم أنّ :« …الإمام مالك الذي عاش منذ قرون لا يمكنه أن يأتينا بحلول لقضايا نعيشها اليوم، وليس من المعقول أن نتبع اليوم بالتدقيق ما تركه أسلافنا »(5)يُعتبر الياجوري من دعّاة الاجتهاد بالحوار فقد قال: « الاجتهاد يعني أن نتحاور بكل ديمقراطية ، وأن نبحث عن الحقيقة بواسطة طرقٍ علمية، وذلك من أجل خير الإنسانية.»كما دعا إلى تجنّب اجتهادات الغير،وبصفة خاصة اجتهادات دول الخليج التي وصفها أنها شوّهت الإسلام؛ أمّا عن رأيه في الشخصيات الدينية البارزة، صرّح الياجوري :« أن الشيخ " كشك "يتحدث عن مسائل ثانوية في الدين، كتحدثه عن اللحية، وكأن اللحية من القضايا الأساسية في الإسلام .»أمّا الغزالي فقال عنه: « أنا لا أحبّه فقد أراد أن يجعل الإسلام وهْمًا ، كما أراد أيضًا أن يفرض نموذجًا لحياة لا تُطاق.«كان صريحًا ..متواضعًا..حليما ..وفيا لبلدته مسقط رأسه قمار فما انفكّ يزورها باستمرار للقاء إخوته، وأقاربه، وأبناء جيله يجالسهم، ويمازحهم، ويستذكر معهم الأحداث..هي الصفات التي تميّز بها الشيخ الياجوري الذي تُوفّي يوم 12 أوت 1991 بمدينة وهران أين كان يقيم مع عائلته ..توفّي رحمه الله في مرحلة صعبة كانت الجزائر في أشدّ الحاجة إلى أمثاله ذوي الفكر المعتدل البعيد عن التطرّف والغلوّ ، والقريب من التسامح والحوار البنّاء.شهاداتهم عنهالأستاذ عثمان سعدي رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن اللغة العربية، الذي يعتبر أحد تلامذة الشيخ عبد القادر الياجوري في ندوة عنه بالمركز الثقافي الإسلامي بالجزائر حضرها مجموعة من رفاقه وتلامذته، وعلى رأسهم الشيخ عبد الرحمن شيبان، أشاد سعدي بنضال هذا الشيخ الذي لم يعرف الاستقرار طيلة حياته، وراح يدافع عن اللغة العربية في أعز قوة الاستعمار الفرنسي، و هو الذي كان أحد الأعضاء البارزين داخل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث اعتُـقل مرات عديدة غير أنه كان يعود إلى مزاولة نشاطه في كل مرة إلى أن وافته المنية عام 1991 عن عمر يناهز 79 سنة. وأضاف الأستاذ عثمان سعدي أن الياجوري رجل عظيم قام بتدريس اللغة العربية إبان الاستعمار كي لا تتلاشى هذه الأخيرة، كون اللغة هي أحد المقومات الأساسية لقيام أي مجتمع، فلم يكن أستاذا في اللغة فحسب بل كان أستاذا في النضال أيضا، حيث كان يحثّ طلبته على النضال في سبيل تحرير هذا الوطن، وهذا الشيء الذي ميزه عن باقي الزملاء داخل الجمعية . كما عرّج الأستاذ سعدي حول أبرز محطات هذا الرجل خاصة تلك المتعلقة بالسجون، كونه عاش طيلة حياته قابعا فيها إلى أن نسي عائلته، وحتى أولاده حسب ما أكده نجله رشيد ياجوري.(6)وقال عنه الشهيد رضا حوحو: « الشيخ الياجوري لا يصلح لا للتجارة، ولا للسياسة؛ فهو في التجارة يستحي من طلب حقوقه المادية، وفي السياسة غضوبٌ.»رحم الله الشيخ وغفر له وجازاه قربة منه على ما قدّمه لهذا الوطن وأهله.
بشير خلف- أديب وكاتب جزائري، عمل في التربية والتعليم ـمتقاعد ـ من مدينة الواديحواشي:(1) ـ أ.أ سعد بن البشير لعمامرة، أحمد بن الطاهر منصوري/ أعلام من سوف.ص89 ط1 شركة مزوار بالوادي
(2)ـ المرجع السابق ص89(3)ـ أ.سلاف بن حفودة / الشبخ عبد القادر الياجوري ..رجل الفكر والاجتهاد ـ مقال ـ الخبر الأسبوعي(4)ـ المرجع السابق.(5)ـ أسبوعية " الجزائر الأحداث ". أفريل 1983(6)ـ صحيفة البصائر/ انتظمت الندوة بتاريخ: 25/11/ 1429 هـ
بقلم: بشير خلف-