dimanche 29 mars 2009

مدينة المدية بعد 1830


كانت المدن الجزائرية منذ القرن 18م في انحطاط مستمر ، فقدت نشاطها وحضارتها وخلت من عدد كبير من سكانها ، فالجزائر مثلا كانت من أعظم الأمصار في القرن 17 (100000) نسمة ولم يبق فيها إلا 30 ألف نسمة حوالي سنة 1830م ، وافتقرت وهران واقفرت من أهلها وأصبح هؤلاء 900 ن . وكذلك شأن تلمسان منذ استيلاء الأتراك عليها (155) ، أما المدية فإنها مع قلة عدد سكانها (يتراوحون بين 400 و500 ن) فقد حافظت على أهميتها وعلى دورها السياسي والإقتصادي ، فهي عاصمة بايلك التطري ، وهي قاعدة عدد كبير من الأتراك والكلغان ، وهي في طريق تجاري بين الجنوب والشمال .

الحملة الفرنسية الأولى على المدية


الحملة الفرنسية الأولى على المدية :

من نتائج ثورة جوليت 1830 في فرنسا أن جيشها هنا أصبح يشعر بعدم مبالاة القادة والساسة بشؤونه وأصبح الجزائريون بعد سقوط شارل العاشر (charles X) يتوقعون انسحاب الفرنسيين من أرضهم ، وتساءل الجنود ما فائدة احتلال الجزائر العاصمة وحدها .

وعين كلوزيل clauzel في سبتمبر 1830 إلى فيفري 1831م ، فكانت سياسته ترمي إلى أهداف ثلاثة :

*بقاء الفرنسيين في الجزائر العاصمة.

*إنشاء إدارة فرنسية للأماكن المحتلة.

*التوغل داخل البلاد حتى يكون للمعمرين قواعد ثابتة لا ينازعهم فيها أحد ، لاسيما وأن الرأي العام الجزائري بدأ يميل ألى المقاومة مثلا :

استمال بومزراق الأتراك ،وهاجم ابنه القوافل الفرنسية عدة مرات.

وهاهو بن مزمون قائد فليسة يعلن عن عدم رضوخه للفرنسيين.

فقرر كلوزيل clauzel حملة على المدية (التي هي في نفس الوقت حملة استطلاع) ، لماذا ؟ ليتخلى المسلمون عن كل أمل في انسحاب فرنسا من الجزائر ولرفع معنوية الجيوش ولمعاقبة باي المدية الذي كان في نظرهم رمز المقاومة ، وأخيرا لأن المدية تحكم مع البرواقية طريق الجنوب ،فخرج الفرنسيس من الجزائر في 17/11/1830 في 10000 جندي ودخلوا البليدة ونهبوها نهبا وكانت المقاومة شديدة ، ثم استولوا على ثنية مُزايا Mouzai ثم دخلوا المدية في 22/11/1830 فعزلوا بومزراق وعينوا بايا آخر هو مصطفى بن الحاج عمر ، ثم عادوا إلى الجزائر .

وكان سلطان المغرب مولاي عبد الرحمان قد احتل تلمسان وجعل على رأسها مولاي علي ،إلا أن الأهالي ثاروا على السلطان وطردوا ممثله فبعث مولاي عبد الرحمان قائدين للدوائر كانا معتقلين بفاس فجمعا جيوشا ونصبا ممثلين للسلطان العلوي ، أحدهما في مليانة والآخر في المدية ، ولم يطل نفوذ السلطان هنا وعاد برتوزين Berthezene إلى المدية ودخلها في 29 جوان 1831م.

عهد الأمير عبد القادر:

كان الأمير بعد تأهبه للمعركة (بعد 1834) يفكر في ضرورة توسيع دولته من الناحية الشرقية بضم التطري والمدية وبالاستيلاء على مليانة حتى يتمكن من محاربة الأجانب .

ففي 1835 دخل مليانة ونصب أخاه الحاج محي الدين الصغير على رأسها ثم فكر في المدية وكان عالما بأهميتها الجغرافية والاستراتيجية (هي في طريق الجزائر والجنوب وهي قاعدة ستنطلق منها غارات على النواحي الشرقية ، وهي حصن يحمي الناحية الغربية) .وكانت نواحي المدية خاضعة لنفوذ ولي من أولياء درقاوة هو :

الحاج موسى الدرقاوي : الذي أعلن الجهاد على النصارى فقدم الى المدية في أفريل 1835 وطلب من سكانها أن يسلموا له يهود المدية وأباضييها فامتنع السكان ، ثم صالحوا هذا الشيخ وسمحوا له بدخول المدية ومنها انطلق على حماره لقتال الفرنسيس (فسمي "بوحمار") ولم يرض الأمير بغيره ليتزعم الجهاد ، ونزل عبد القادر من مليانة في 20 أفريل 1835م واصطدم بالحاج موسى في حوش عمورة على 12 كيلومتر من لربعة بني جندل ، وانهزم الحاج موسى فمكنه هذا النصر من فتح المدية وعين خليفة له بها :محمد بن عيسى البركاني ، وأعدم أنصار الحاج موسى ثم عاد إلى معسكر ، وقبل مغادرته المدية استقبل الأمير مبعوثا فرنسيا وهو القبطان Capitaine St Hippolyte الذي جاء ليهنئه ويسلمه بعض الهدايا .

وتعكر الجو بينه وبين الفرنسيس فكان الأمير يغزو القبائل المبايعة لفرنسا وكان كلوزيل clauzel يغزو القبائل المناصرة لعبد القادر وهكذا عاد كلوزيل مرة أخرى إلى المدية في مارس 1836 ليفرض على السكان الباي "محمد بن حسين" الذي عينته السلطة الفرنسية ، فكان رد فعل الأمي سريعا فهاجم أنصاره المدية واستولوا على المدينة وبعثوا الباي إلى وجدة حيث قتل ، لكن في 7 أفريل 1836 دخل دي ميشال Desmichelas المدية من جديد .

وتطور الوضع شيئا فشيئا وعاد الأمير إلى وادي شلف سنة 1837 ، ثم إلى المدية وألقى القبض على 80 من الكرغلان ، وبعث بهم إلى مليانة ، وفي أثناء إقامته بالمدية ، استقبل الأمير أعيان البليدة ثم نصب بعد ذلك أخاه "الحاج مصطفى" خليفة له على المدية .

ثم زحف أول ديسمبر 1837 إلى أولاد المختار جنوب المدية ، وكان يوجد بهم رجل يدعى "الحاج عبد الله " أتى من المغرب الأقصى وتنبأ وادعى أنه المهدي ، فوقع هذا في قبضة الأمير ، فبعثه إلى سلطان المغرب الذي كان في طلبه ، ولكن خصوم الأمير مثل الدواير والعبيد وناخة وأولاد نايل وأولاد المختار ، لا زالوا يتربصون الفرص واضطر الأمير إلى غزو زناجة جنوب بوغار مدو 3 أيام حتى النصر ، وفي المدية توجه الأمير لمحاربة الزواتنة وهم كرغلان نزلوا وادي الزيتون غرب يسر ثم عاد إلى المدية ، وبهذا استقبل مبعوث الوالي فالي valée لمباحثة موضوع معاهدة تافنة ، كما استقبل بها "الحاج عيسى الأغواطي" فعينه خليفة على الأغواط ، وكان كلاهما ضد زاوية التيجانيّة عين ماضي ، قبل نهوضه لمحاربة الشيخ التيجاني ، بعث الأمير كرغلان المدية إلى تاقدمت وكان بتوقع فيهم الميل إلى فرنسا ، وفي طريقه إلى عين ماضي ، اختط حصن تازا في الجنوب الغربي للمدية .

وعندما دخلت حكومة الامير في عصرها الذهبي وبلغت سلطته أقصى ما عرفه ، قرر أن تكون المدية مقر الخليفة ، وعين "البَرْكاني" فيها ، وأصبحت المدية مع تلمسان ومعسكر ومليانة ، عبارة عن جبهة تساير الساحل ، وتقف في وجه العدو . وفي نوفمبر 1839 رجع عبد القادر إلى المدية ليستأنف الحرب ، فكانت المدينة عاصمة دولته ، فتوجه إليها الأعيان والأنصار ، ونشبت الحرب ولعب خليفة مليانة (وهو بن علال ولد سيدي علي مبارك ) وخليفة المدية (وهو البَركاني) دورا هاما مثل تعطيل مواصلات العدو ، وقطع الماء على معسكر والبليدة

samedi 28 mars 2009

مولد المدية


مولد المدية:

أراد بعض المؤرخين أن يجعل مولد المدية في عهد حماد بن زيري سنة 350هـ ، ولكن صدق التاريخ يعطي ان المدية كانت ضاربة في القدم ، وأن تاريخها بألف عام يعتبر منطلقا لتاريخ حديث تناولته الأقلام كثيرا ، ونطقت به الألسنة ، وذلك يعتبر تدعيما لمجد هذا البلد وتقوية لأصالتها كما قال "ابن عبيد البكري" حيث قال :(( المدية بلد جليل قديم)) ودعم هذا رأي الوزاني الفاسي حيث قال :(( ان الأفارقة القدماء هم الذين خططوا المدية بما يعرف بنو "مْديّة" )) ويقف مع هذه الآراء المؤرخ "مرمور" عندما قال : (( إن المدية عتيقة قديمة وإن المدية سبقت بني زيري وأنها أقدم من "أَشِير" ))

*و"أشير" هي مدينة بالجنوب الشرقي من البرواقية ، قرب ثلاثاء الدوائر ، أنشأها زيري بن مناد رئيس صنهاجة وأميرها سنة 324هـ ، وجعلها مركزا حربيا لمحاربة قبائل زناتة الخارجة عن طاعة العبيدين ، وجلب لها الصناع والعمال من "مسيلة" و "طبنة " فأحكموا وضعها وأشادوا بناءها ، فكثر عمراها وشيدت فيها القصور والمنازل والحمامات وقصدها التجار والعلماء والأدباء من كل مكان، وكانت بها سوق تباع فيه كل لطيفة وظريفة ، وضرب بها "العبديون" عملتهم ، وكانت حرما آمنا حتى سنة 440 هـ حيث خربها " يوسف بن حماد الصنهاجي" حينما أنشئت العاصمة الجديدة "لَمْدية" ،وكانت أشير في سهل قرب الجبل الأخضر هدفا للعدوان وعارية من التحصينات الطبيعية مما جعلها بمعزل عن الأمن وعرضة للطامعين ، ولذلك فكر الأقدمون أن يلوذوا بتحصين طبيعي فكان هذا المكان هو المدية ، وفي ذلك العهد انطلق بنوا زيري من صنهاجة ومن اعوان الفاطميين على الخارجين ، وتطاولت دولتهم في القرن الرابع الهجري ، من تيارت غربا إلى الزاب شرقا ، ونظر الفاطميون إليهم بإعجاب فأنزلوهم أحسن المنازل ، لأنهم أقدر الناس على محاربة بدو زناتة .

ولما تسلم زيري بن مناد سنة 349هـ ، 960م حكم تيارت من الفاطميين ، أذن لابنه "بولوكين" بتأسيس ثلاث مدن : المدية 355هـ ، مليانة 360هـ والجزائر 362هـ ، وفي هذا الصدد يذكرنا ابن خلدون في حديثه عن المدية بما نصه : ((وكان المختط لها بوبوكين بن زيري )) كتاب العبر ، ج 7 ، وذكر البكري في كتابه : المسالك والممالك (( قام بتخطيطها )) وذكر مصدر آخر كلمة التشييد ، وانطلاقا من هذه النصوص نفهم بأن المدية كانت أنقاضا وخرابا بعد بنائها من عهد الرومان ، وذلك لطول العصور التي مرت عليها ، إذن فالتأسيس والتخطيط والتشييد يكون من العدم أو شبه العدم ، وإما اختيار الموضع الاستراتيجي الهام ، هو الذي تنبه له هذا العبقري في ذلك الزمان الغابر.

وكان لنا به فضل الاحتفال بمرور ألف سنة على تأسيس هذه البلدة الطيبة ، وكان اللقاء بالفاطميين على هذه الأرض يجعل منا ربطا بين المشرق والمغرب ، حيث أن الفاطميين كان لهم تأثير كبير أثناء وجوهم في هذه الديار ، فكان التأثير والتأثر بينهما واضحا في كثير من الأوجه ، وبعد انتقالهم إلى المشرق وفتحهم لمصر وتأسيسهم للأزهر الشريف لعنايتهم بالعلم وحفاظهم على الإسلام ، وإذا كانت المدية قد حضيت بالفاطميين قبلا ممثلا في مدينة أشير فإنهم قد اخذوا عنهم هذه الظاهرة ن وقد تربوا على حبهم للعلم ، واحترام العلماء وتقديس المبادئ الإسلامية ، فكلما تطاول بها الزمن زادتها الأيام تمسكا بالدين ، فينبغي أن ننمي هذه المملكة ونرعاها لنعيد مجد الإسلام ، فالقرآن فيها محفوظ والدين في أهلها ملحوظ

الصناعة التقليدية بالمدية







الصناعات التقليدية بالولاية ذات طابع محلي و فني أصيل تعود جذورها إلى عهد قديم توارثته الأجيال و ما تزال تصاميم هذه الصناعات تجسدها أنامل أبناء هذه الولاية منها : الجلد – اللباس التقليدي – المجبود – السراجةالخزف الفني – غزل الصوف –نسيج الزرابي –الأواني الطينية –النقش على الخشبالزخرفة – وهذه الصناعات متواجدة في مناطق عديدة من الولاية أهمها : المدية، بني سليمان ،قصر البخاري، شلالة العذاورة ، بوغزول، تابلاط، عين بوسيف

متى يُنجز المستشفى الخيري للأطفال المصابين بالسرطان؟


توجّه دكتورالإقتصاد بجامعة سعد دحلب بالبليدة الأستاذ فارس مسدور بنداء عاجل ورسالة مؤثرة جدا، إلى ذوي القلوب الرحيمة من أصحاب المال ممن فتح الله تعالى عليهم أبواب الرزق، بأن يسهموا في المشروع الذي ظل لسنوات وهو يحلم به ويسعى لتجسيده على أرض الواقع، إنه >المستشفى الوقفي الخيري للأطفال المصابين بالسرطان>، من أجل هاته البراءة التي تموت في صمت·

قد يقول قائل بأن الأمرلا يعنيه ما دام يعيش في كنف الصحة والعافية، والصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى، لكن من عايش معاناة الدكتور فارس مسدور وآخرون كانوا يعانون الأمرين >مشاهدة فلذات أكبادهم تتقطع من الآلام والأوجاع أمامهم من جهة، وإهمال وانعدام الرعاية الصحية من طرف القائمين على الصحة من جهة أخرى<، لا يسعه إلا أن يساعد بالقدرالذي يستطيع في إرساء ووضع لبنة صغيرة في صرح هذا المستشفى الوقفي الخيري لأطفال مرضى السرطان، الذي مازال مشروعا يراوح مكانة رغم الإرادات الخيّرة لبعض الجزائريين والمحسنين جزاهم الله عنا خير الجزاء·

وبالإرادة الخيرية وتكاثف الجهود، كل الجهود لكل الخيريين من أبناء الوطن، كل من موقعه يمكن أن نصنع المعجزات ونتحدى الصعوبات، وبدل بناء مستشفى وقفي خيري متخصص في معالجة مرضى السرطان، لما لا مستشفيات وقفية أخرى متخصصة في أمراض أخرى عافنا الله وإياكم منها وشفى الله كل المصابين بتلك الأمراض الخبيثة، وهوّن الله وأخذ بيد أهالي المرضى أمين أمين يارب العالمين

وفيمايلي النص الكامل لرسالة أو نداء الدكتور فارس مسدور لكل المحسنين والخيريين من أبناء الجزائر:

مرت سنة على وفاة غاليتي >صبرينال<، ولم يحدث أي تغيير لوضعية الأطفال المصابين بالسرطان، غير الأمورالشكلية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فالإستثمار الصحي عندنا مختصر في >البيطون< الاسمنت المسلح والآجر والبلاط ومواد البناء، وهذا توجه خاطئ في إستراتيجية رفع مستوى الكفاءة العلاجية لسرطانات الأطفال·

إن الأطفال المصابين بالسرطان في بلادنا يموتون كما يموت الذباب، يموتون من العذاب، يموتون من الإهمال، يموتون من انعدام >وليس نقص< الدواء الفعال، يموتون من استخدام >الدواء الجنيس<، الذي لا يقتل خلية السرطان، بل قد نذهب للقول بأنه >غير علمي< يغذيها، لتعود أقوى مما كانت عليه من قبل· إنني أنادي منذ سنة بضرورة تجسيد مشروع >المستشفى الخيري للأطفال المصابين بالسرطان<، يساهم فيه كل جزائري في الداخل أو الخارج، كل حسب طاقته، فهل سمعني أحد، هل سمع أحد صرخاتي التي رفعتها في كافة وسائل الإعلام قائلا لكل العالم: >أنقذوا الأطفال المصابين بالسرطان في الجزائر أنقذوهم، لا مجيب، لا مجيب···<·قلت في مرة من المرات: >لو أن كلبا في أوروبا العلمانية أنّ أنّة وسمعته جمعيات حماية الحيوان، لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها< والله أعلم أن لديهم اهتمام بالحيوانات بكل ما أوتوا من إمكانات لا يقل عن الاهتمام بالبشر، يا سبحان الله، لديهم مستشفيات وطائرات خاصة لنقل الحيوانات على وجه السرعة إلى الاستعجالات الطبية وبالعناية اللازمة، أما عندنا فتموت مسدور صبرينال، وختة آية، والعارم، وكريمة سعدي، ورحمة، ورغدة، وياسر وأسامة، يموتون تباعا، وبإهمال غير منقطع النظير، بل بلا رحمة ولا شفقة ولا يتحرك أحد من مسئولينا لإنقاذهم ولا لمقاسمة أهلهم أحزانهم···

والله لقد خاطبت وناشدت كل مسؤول في الدولة الجزائرية من رئيس، برلمانيين ، وزراء، ومسؤولين بمختلف المناصب والمسؤوليات···< ناشدتهم وطرقت أبوابهم، ولم يرد عليّ أحد، حتى أولئك الذين قدمت لهم عصارة فكري وأفكاري تنكروا ورأيت منهم العجب، الكل مشغول عنا نحن الشعب المغبون المغلوب على أمره·لقد رأيت أطفالا يعانون ومازلت أراهم كل يوم، لكن لا أحد يسهم في نجدتهم، أموال طائلة ترصد لمستشفياتنا، لكنها تعجز عن توفير أبسط المواد العلاجية لأطفالنا المصابين بالسرطان·إنني أناشد أصحاب القلوب الرحيمة من المحسنين والمحسنات، أن نتعاون فيما بيننا لتجسيد مشروع >المستشفى الوقفي الخيري للأطفال المصابين بالسرطان<، هذا المشروع الحلم الذي سيرفع الغبن عن أطفالنا، أريد أن ينجز بأموال الخير، ويكون نموذجا فريدا من نوعه في علاج الأطفال المصابين بالسرطان·

إن أول خطوة هو الحصول على قطعة أرض >لا تقل عن 3 هكتارات< في مكان لا يعرض حياة أطفالنا للخطر >المحيط البيئي، شبكة الطرق···< ثم بعدها حملة وطنية ودولية لجمع التبرعات لإنجاز هذا المشروع الحلم··· فهل من قلوب رحيمة تساعدنا على رفع الغبن عن أبنائنا، فلا ندري إن كنا في مأمن أم أننا قد نصبح يوما ممن يعيشون المعاناة مثلما، عشتها مع إبنتي صبرينال وإخوتها رحمهم الله جميعا·

ساعدونا في إنقاذ ما تبقى وما يُستجد من أطفال يعانون من هذا المرض الخطير، هذا المرض الذي تطورت تقنيات علاجه، خاصة في أوروبا وأمريكا، واليابان، وغيرها من دول العالم المتقدم، لماذالا نسهم في إنقاذهم نحن أيضا أو نخفف من معاناتهم؟ هل من مجيب؟ هل من مجيب؟

أخوكم: الدكتور أبو صبرينال فارس مسدور أستاذ الإقتصاذ بجامعة سعد دحلب بالبليدة، وخبير صندوق الزكاة بوزارة الشؤون الدينية سابقا

ختم القران مسجد المدية



حلقة تلاوة القرآن الكريم في مسجد الشهيد بن دالي ابراهم بوسط مدينة المدية .

يختم القرآن الكريم مرة كل شهر حيث يتلى جزء (حزبين) في اليوم بعد صلاة المغرب مباشرة.

إن تلاوة القرآن الكريم في المساجد بعد صلاة المغرب عادة حسنة، داوم عليها سكان مدينة المدية من حفظة القرآن الكريم ومن مستمعين لكتاب الله عز وجل سئل العلامة الكبير محمد الغزالي عند زيارته لمدينة المدية عن هذه العادة فاستحسنها، وكان العلامة عبدالحميد ابن باديس في قسنطينة يطلب من طلبة أن يأخذوا من طلبة المدية طريقة تلاوتهم للقرآن لما يتميز باحترام الأحكام والإستعمال القفة ( الوقوف أثناء القراءة)

vendredi 27 mars 2009

سلطات المدية ترحب بمشروع المستشفي الوقفي



في انتظار الموافقة النهائية من وزارة الصحة والسكان
سلطات المدية ترحّب بمشروع المستشفى الوقفي لعلاج السرطان

أبدت السلطات المحلية لولاية المدية بمعية ممثلي المجتمع المدني، موافقتها الأولية على أن يتم تشيد مشروع ''المستشفى الوقفي الخيري'' لعلاج السرطان بها بعد أن تناولته ''الخبر'' في أحد أعدادها السابقة. وحرصا منها على أن يتحقق حلم الأطفال المصابين بالسرطان للتكفل بعلاجهم، أوجدت للمشروع 3 قطع أرضية مساحتها بين 3 و7 هكتارات، كما راسل مسؤولوها وزارة الصحة بهذا الخصوص في انتظار ردها النهائي والحصول على الموافقة منها. تفاءل الدكتور فارس مسدور، أستاذ الاقتصاد بجامعة سعد دحلب وصاحب فكرة مشروع ''المستشفى الوقفي الخيري'' لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان بالموافقة المبدئية والأهمية البالغة التي أولتها السلطات المحلية لولاية المدية أن يترسّم المشروع على أرض الولاية وعلى رأسها الوالي ورئيس البلدية اللذان اقتنعا بالفكرة، خاصة بعد المعاينة الأولية للمكان الذي يقام عليه المستشفى والواقع بالقرب من محطة الأرصاد الجوية هناك. وأوضح المتحدث في تصريح لـ ''الخبر'' أن الزيارة التي قادته إلى ولاية المدية بعد الدعوة الموجهة من طرف جمعية ''أحباب مدينة المدية'' والتي حرصت بشدة منذ إطلاعها على المشروع والدراسة الخاصة به رفقة رئيس البلدية على أن يتجسّد هذا المشروع الخيري الوقفي لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان والتكفل بهم في ولاية لمدية. معلنا أن المسؤولين المحليين راسلوا مديرية الصحة والسكان بالولاية لإعلامها بالأمر. هذه الأخيرة بدورها قامت بمراسلة الوصاية في انتظار دراسة الطلب والموافقة عليه. وأضاف ذات المتحدث أن ممثلي المجتمع المدني وفي مقدمتهم جمعية ''أحباب مدينة المدية'' منذ أن علموا بالمشروع وبجدواه الصحية والإنسانية للمهمة التي سيقوم بها تشبثوا أكثر بـ''المستشفى الوقفي الخيري'' لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان، داعيا وزارة الصحة والسكان وكل الهيئات الرسمية على أعلى مستوى أن تمد يد العون والمساعدة من أجل تحقيق حلم مئات الأطفال المرضى الذين نخرهم السرطان.

jeudi 26 mars 2009

رقم سبعة في الكون


عندما بدأ الله خلق هذا الكون اختار الرقم سبعة ليجعل عدد السماوات سبعة و عدد الأراضين سبعة .

يقول عز وجل : ( الله الذي خلق سبع سماوات و من الأرض مثلهن ) [ الطلاق : 12 ] .

حتى الذرة التي تعد الوحدة الأساسية للبناء الكوني تتألف من سبع طبقات إلكترونية و لا يمكن أن تكون أكثر من ذلك .

كما أن عدد أيام الأسبوع سبعة و عدد العلامات الموسيقية سبعة و عدد ألوان الطيف الضوئي المرئي هو سبعة .

و يجب ألا يغيب عنا أن علماء الأرض اكتشفوا حديثاً أن الكرة الأرضية تتكون من سبع طبقات .

الرقم سبعة في الأحاديث الشريفة

كثيرة هي الأحاديث النبوية الشريفة التي نطق بها سيد البشر محمد r .

و قد كان للرقم سبعة حظ وافر في هذه الأحاديث و هذا يدل على أهمية هذا الرقم و كثرة دلالاته و أسراره .

فعندما تحدث الرسول الكريم عن الموبقات و الكبائر حدد سبعة أنواع فقال :

(
اجتنبوا السبع الموبقات ... )[البخاري و مسلم ].

وعندما تحدث عن الذين يظلهم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة حدد سبعة أصناف فقال :
(
سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ) [ البخاري و مسلم ] .

و عندما يتحدث عن الظلم و أخذ شيء من الأرض بغير حقه فإنما يجعل من الرقم سبعة رمزاً للعذاب يوم القيامة ، يقول عليه الصلاة و السلام :


(
من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أراضين) . [البخاري و مسلم] .


و عندما أخبرنا عليه الصلاة و السلام عن أعظم سورة في كتاب الله قال :

(
الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني و القرآن العظيم الذي أوتيته ) [ البخاري ] .

و في السجود يخبرنا الرسول الكريم r عن الأمر الإلهي بالسجود على سبعة أعضاء فيقول:
(
أُمرت أن أسجد على سبعة أعظُم ) [ البخاري و مسلم ] .

أما إذا ولغ الكلب في الإناء فإن طهوره يتحدد بغسله سبع مرات إحداهن بالتراب
و عندما تحدث عن القرآن جعل للرقم سبعة علاقة وثيقة بهذا الكتاب العظيم فقال :
(
إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف ) [ البخاري و مسلم ] .

و هذا الحديث يدل على أن حروف القرآن تسير بنظام سباعي محكم ، و الله تعالى أعلم .

و قد تحدث الرسول r عن جهنم يوم القيامة فقال :

(
يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ) [ رواه مسلم ] .

و في أسباب الشفاء أمرنا الرسول الكريم r أن نضع يدنا على مكان الألم و نقول

سبع مرات :

(
أعوذ بالله و قدرته من شر ما أجد و أحاذر ) [ رواه مسلم ] .

حتى عندما يكون الحديث عن الطعام نجد للرقم سبعة الحضور ، يقول r :

(
من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم و لا سحر ) [ البخاري و مسلم ] .

أما الحديث عن الصيام في سبيل الله نجد من الأجر الشيء الكثير الذي أعده الله للصائم . يقول رسول الله r :

(
ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً ) [ البخاري و مسلم ] .

و عندما قدم أحد الصحابة إلى رسول الله r و طلب منه أن يخبره عن المدة التي يختم فيها القرآن فقال عليه الصلاة و السلام :

(
فاقرأه في سبع و لا تزد على ذلك ) [ البخاري و مسلم ] .

كما كان الرسول r يستجير بالله من عذاب جهنم سبع مرات فيقول :

(
اللهم أجرني من النار ) [ النسائي ] .

كما كان عليه الصلاة و السلام يستغفر الله سبعين مرة .

يقول الرسول r عن مضاعفة الأجر :

(
كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف ) . [ رواه مسلم ].

هذه الأحاديث الشريفة و غيرها كثير تدل على أن النبي r قد خصَّ هذا الرقم بالذكر دون سائر الأرقام بسبب أهميته .فهو الرقم الأكثر تكراراً في أحاديث المصطفى عليه الصلاة و السلام .

الرقم سبعة و الحج

نعلم جميعاً أن عبادة الحج تمثل الركن الخامس من أركان الإسلام . في هذه العبادة يطوف المؤمن حول بيت الله الحرام سبعة أشواط . و يسعى بين الصفا و المروة سبعة أشواط أيضاً.

و عندما يرمي الجمرات فإن الرسول الكريم r قد رمى سبع جمرات أيضاً .

و قد ورد ذكر هذا الرقم في الآية التي تحدثت عن الحج العمرة ، يقول الله تعالى :
(
فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجعتم ) [ البقرة : 196 ] .

و العجيب أن رقم هذه الآية هو ( 196 ) و هذا العدد من مضاعفات الرقم سبعة مرتين، فهو يساوي سبعة في سبعة في أربعة ، أي :

196 = 7 × 7 × 4
الرقم سبعة في القصة القرآنية

تكرر ذكر الرقم سبعة في القصص القرآني . فهذا نبي الله نوح عليه السلام يدعو قومه للتفكر في خالق السماوات السبع فيقول لهم :
(
ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً ) [ نوح : 15 ] .

أما سيدنا يوسف عليه السلام فقد فسر رؤيا الملك القائمة على هذا الرقم ، يقول تعالى :

(
وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف و سبع سنبلات خضر وأُخر يابسات ) [ يوسف : 43 ] .

و قد ورد ذكر الرقم سبعة في عذاب قوم سيدنا هود الذي أرسله الله إلى قبيلة عاد فأرسل عليهم الله الريح العاتية ، يقول تعالى :
(
وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام ) [ الحافة :6 – 7 ] .


و في قصة سيدنا موسى عليه السلام وورد ذكر الرقم سبعين و هو من مضاعفات الرقم سبعة ، يقول تعالى :

(
و اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا [ الأعراف : 155 ] .

و قد ورد هذا الرقم في قصة أصحاب الكهف، يقول عز وجل : (و يقولون سبعة و ثامنهم كلبهم ) [ الكهف : 22 ].

إذن هناك علاقة بين تكرار القصة القرآنية و الرقم سبعة .

هذا هو الجز الثانى من اسرار الرقم 7 فى القران الكريم والسنة النبوية ولاهمية الموضوع وطوله ارجو التثبيت للافادة للجميع
وفي هذا الجزء اعرض لكم:-

الرقم سبعة و يوم القيامة

لا يقتصر ذكر الرقم سبعة على الحياة الدنيا ، بل نجد له حضوراً في الآخرة .

إن كلمة ( القيامة ) تكررت في القرآن الكريم سبعين مرة أي عدداً من مضاعفات السبعة ، فالعدد سبعين هو حاصل ضرب سبعة في عشرة :

70 = 7 × 10

و كلمة( جهنم ) تكررت في القرآن كله سبعاً و سبعين مرة ، أي من مضاعفات السبعة :

77 = 7 × 11

و عن أبواب جهنم السبعة يقول سبحانهو تعالى :

(
و إن جهنم لموعدهم أجمعين # لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ) [ الحجر : 43 – 44 ] .

أما عن عذاب الله في ذلك اليوم فنجد مضاعفات الرقم سبعة ، يقول عز وجل :

(
خذوه فغلّوه #ثم الجحيم صلوه #ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه ) [ الحاقة : 30 - 32 ].

و لا ننسى بأن الله تعالى قد ذكر الرقم سبعة عند الحديث عن كلماته فقال :

(
و لو أنما في الأرض من شجرة أقلام و البحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ) [ لقمان : 27 ] .


الرقم سبعة و الصدقات

ورد ذكر هذا الرقم في مضاعفة الأجر من الله تعالى لمن أنفق أمواله في سبيل الله .يقول تعالى : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئةحبة و الله يضاعف لمن يشاء و الله واسع عليم ) [ البقرة : 261 ] .

ورد ذكر الرقم ( سبعين ) و هو من مضاعفات السبعة في سورة التوبة في استغفار الرسول r فقال الله تعالى :

(
إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) [ التوبة : 80 ] .

و في القرآن الكريم سبع سور بدأت بالتسبيح لله تعالى ، و هي : الإسراء ـ الحديد ـ الحشر ـ الصف ـ الجمعة ـ التغابن ـ الأعلى .


الرقم سبعة و حروف القرآن

لقد اقتضت حكمة البارئ سبحانه و تعالى أن ينزل هذا القرآن باللغة العربية وجعل عدد حروف هذه اللغة ثمانية و عشرين حرفاً ، أي عدداً من مضاعفات السبعة :

28 = 7 × 4

و أول مرة ورد هذا الرقم لعدد آيات سورة الفاتحة التي افتتح الله تعالى بها هذا القرآن .

و قد خاطب الله سبحانه و تعالى سيدنا محمداً عليه الصلاة و السلام فقال له :

(
و لقد آتيناك سبعاً من المثاني و القرآن العظيم ) [ الحجر : 87 ] .

و السبع المثاني هي سورة الفاتحة و هي أول سورة في القرآن الكريم و هي سبع آيات ، و عدد الحروف الأبجدية التي تركبت منها هذه السورة هو( 21 ) حرفاً أي :

21 = 7 × 3

في القرآن الكريم هنالك سورة مميزة ميزها الله تعالى عن غيرها فوضع في أوائلها حروفاً مميزة مثل ( الم ـ الر ـ حم ـ يس ـ ق .....) إن عدد هذه الافتتاحيات المميزة عدا المكرر أربعة عشر ، أي من مضاعفات السبعة :

14 = 7 × 2

و إذا أحصينا الحروف التي تركب منها هذه الافتتاحيات عدا المكرر ( أي عددنا الحروف الأبجدية التي تركبت فيها الافتتاحيات المميزة في السور ذات الفواتح )

وجدنا أيضاً أربعة عشر حرفاً ، أي :

14 = 7 × 2

هذه الحروف موجودة كلها في سورة الفاتحة . إذن عدد الحروف المميزة في سورة السبع المثاني هو ( 14) و عدد هذه الحروف مع المكرر يصبح ( 119 ) حرفاً في هذه السورة
و هذا العدد من مضاعفات السبعة :

119 = 7 × 17

هنالك عبارة تتحدث عن خلق السماوات و الأرض في ستة أيام في قوله تعالى :

(
خلق السماوات و الأرض في ستة أيام ) .

و قوله أيضاً :
(
خلق السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام ) .

هذه العبارات تكررت في القرآن كله سبع مرات بعدد السماوات السبع . كما أن عبارتي ( سبع سماوات ) و ( السماوات السبع ) قد تكررتا في القرآن كله سبع مرات بالضبط .

في القرآن الكريم لكل سورة عدد من الآيات ، و قد بحثت عن السور التي عدد آياتها من مضاعفات السبعة فوجدتها بالضبط ( 14 ) سورة أي سبعة في اثنان .و العجيب أن أول سورة عدد آياتها سبع هي سورة الفاتحة و رقمها ( 1 ) في القرآن ، و آخر سورة عدد آياتها سبع هي سورة الماعون ورقمها( 107 ) في القرآن . و عند ضم هذين العددين أي (1) و ( 107 ) نحصل على عدد جديد هو ( 1071 ) ، و هذا العدد يقبل القسمة على سبعة كيفما قرأناه من اليسار أم من اليمين . لنرى ذلك :

1
ـ قراءة العدد من اليسار : 1071 = 7 × 153
2
ـ قراءة العدد من اليمين : 1701 = 7 × 243
و لو قمنا بعّد السور الواقعة بين هاتين السورتين ( أي الفاتحة و الماعون ) لوجدنا ( 105 ) سور و هذا العدد من مضاعفات السبعة :
105 = 7 × 15

و العجيب أن عدد حروف اسم كل سورة يساوي سبعة ! فعدد حروف كلمة ( الفاتحة ) سبعة ، و عدد حروف كلمة ( الماعون ) سبعة أيضاً .

م
ن
ق

و
ل

الوقف في الاسلام

نظرة عامة إلى الوقف في الإسلام

وأنواعه ودوره وأهدافه

مقدمة:

سنبحث في هذا الباب أربع مسائل في أربعة فصول. ففي الفصل الأول سندرس:

الملامح الرئيسة لظاهرة الوقف وطبيعة دوره الاقتصادي. فنبحث في تعريف الوقف، ومضمونه الاقتصادي التنموي، والتراكم التنموي الذي يحصل من خلاله، وأهميته في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وندرس في الفصل الثاني:

الشروط العامة التي لا بد منها للنهوض بالأوقاف الإسلامية في الإدارة والفقه والتمويل، وقبل كل ذلك في الإرادة السياسية التي ينبغي لها أن تعزم على إعادة تفعيل الوقف في مجتمعاتنا الإسلامية.

أما الفصل الثالث، فندرس فيه:

أهـداف إدارة الوقف من حيث مدى انطباق مبدأ تعظيم الربح وتعظيم المنفعة على الوقف ومن حيث مدى جواز تحويل الوقف المباشر إلى وقف مباشر واستثماري معا بآن واحد وشروط مثل هذا التحويل.

أما الفصل الرابع، فنبحث فيه:

في تنمية رأس مال الوقف حيث نعالج قضيتين أساسيتين هما حداثة طرح مسألة تنمية أموال الأوقاف وأسباب ذلك، ومدى جواز تخصيص جزء من عائدات الوقف لإنماء رأس ماله الأصلي وزيادته.

الفصل الأول

الملامح العامة للأوقاف الإسلامية وطبيعة دورها في المجتمع

سنستعرض في هذا الفصل تعريف الوقف من الناحيتين الفقهية والاقتصادية، وسوف نستنتج من تعريف الوقف بأن مضمونه استثماري تنموي، وأنه مهما كان غرض الوقف فإن الحقيقة الاستثمارية تبقى قائمة فيه. ثم نذكر بعض الأمثلة التاريخية لدور الأوقاف الإسلامية في الخدمة والرفه الاجتماعيين.

أولاً: تعريف الوقف وأنواعه:

يمكن تعريف الوقف من الناحية الشرعية العامة بأنه "حبس المال عن الاستهلاك، للانتفاع المتكرر به في وجه من وجوه البر". فهو صدقة جارية مابقي رأس مالها، سواء أكان البقاء طبيعياً بعمر المال الموقوف أم إراديا بنص الواقف ورغبته.

ولقد راعينا في اختيار ألفاظ هذا التعريف أن يشمل الوقف المؤبد للعقار، والوقف طيلة عمر المال المنقول الموقوف، وهو أمر اتفقت عـليه المذاهب الأربعة. وراعينا أيضا أن يشمل التعريف الوقف المؤقت بإرادة الواقف، وهو معروف عند المالكية. وراعينا كذلك صورا من الوقف مستجدة لم تكن معروفة في الماضي، مثل وقف الحق المالي المتقوم ووقف المنفعة. وكل من الحق المالي المتقوم، نحو حقوق النشر، والمنفعة، نحو منفعة المال المستأجر، مال في عرف الشرع كما هو الأمر عند الجمهور بالنسبة لاعتبار المنفعة مالاً، أو كما تدل عليه الفتاوى الجماعية المعاصرة بالنسبة للحقوق المعنوية التي صارت تعتبر أموالاً متقومة.

وقد اكتفينا في التعريف بأن الوقف حبس عن الاستهلاك من أجل تكرار الانتفاع، من أجل الخروج من الخلاف الفقهي المشهور حول ملكية المال الموقوف. يضاف إلى ذلك أن فكرة "تكرار الانتفاع في وجوه البر" التي جاءت في التعريف لا تلغي إمكان أن يتضمن الوقف بعض الشروط الخاصة نحو انتفاع الواقف من الوقف، مما تقره بعض المذاهب الفقهية دون بعض.

ويشمل هذا التعريف أشكالاً كثيرة من الأموال يمكن أن تكون موضوعا للوقف. فالأرض والبناء يمكن أن يوقفا ليستعملا في أعمال الخير، نحو إقامة الشعائر الدينية، كالمسجد للصلاة، كما يمكن أن يوقفا لوجوه البر الأخرى، نحو المستشفى والمصحة، أو دار الأيتام ودار العجزة، أو المدرسة ونُزُل الطلبة. كما يمكن وقف الأراضي والعقارات لتستعمل في الزراعة، والإجارة، وسائر أنواع الاستغلال الاقتصادي، الذي ينتج فائضاً أو إيراداً صافياً، يستخدم في رعاية وجوه البر، كأن يصرف على إنارة المسجد وتدفئته، أو على الفقراء والمساكين وابن السبيل، أو على النفقات العادية المتكررة للمستشفى أو المدرسة أو دار الأيتام، الخ.

ومن المعلوم أن وجوه البر عديدة لا حصر لها، ومتجددة ومتطورة بتطور المجتمعات البشرية. ولقد كان من وجوه البر التي ابتكرها الصحابة الكرام، في خلافة عمر?، كهدف أو غرض للوقف نفع الأهل والذرية. بحيث كانوا يحبسون الأموال من أراض وعقارات ونخيل وغير ذلك من أموال يتكرر الانتفاع منها، لتوزع منافعها على أهل الواقف وذريته، ويبقى المال نفسه محبوسا لايوزع، ليتكرر عطاؤه موسما بعد موسم، وعاما بعد عام. وليس ذلك غريبا، فإن الشريعة الإسلامية كانت سباقة بتقرير أن في العطاء للأهل والذرية، بل وللنفس أيضا، معنى من معاني الصدقة والبر، وذلك بما جاء على لسان النبي ? من التصدق على النفس، والزوج، والولد، والوالد، والأحاديث في ذلك معروفة مستفيضة.

ثانياً: المضمون الاقتصادي والتنموي للوقف:

إذا أردنا أن نعيد صياغة تعريف الوقف لنعبر عن مضمونه الاقتصادي، لقلنا: إن الوقف هو تحويل للأموال عن الاستهلاك، واستثمار لها في أصول رأسمالية إنتاجية، تنتج المنافع والخيرات والإيرادات التي تستهلك في المستقبل، سواء أكان هذا الاستهلاك بصورة جماعية كمنافع مبنى المسجد أو المدرسة، أم بصورة فردية نحو ما يوزع على الفقراء والمساكين أو على الذرية.

فالوقف هو عملية تجمع بين الادخار والاستثمار معا. فهي تتألف من اقتطاع أموال عن الاستهلاك الآني، كان يمكن للواقف أن يستهلكها إما مباشرة، إذا كانت مما يمكن استهلاكه، أو بعد تحويلها إلى سلع استهلاكية. وبنفس الوقت تحويل هذه الأموال إلى استثمار يهدف إلى زيادة الثروة الإنتاجية في المجتمع. وهذه الثروة الإنتاجية الموقوفة تنتج خدمات ومنافع. مثالها منفعة مكان الصلاة في المسجد، ومنفعة مكان سرير المريض في المستشفى أو مكان مقعد التلميذ في المدرسة. كما أن هذه الثروة الموقوفة يمكن أن تنتج أي سلع أو خدمات أخرى تباع للمستهلكين وتوزع عائداتها الصافية على أغراض الوقف.

فإنشاء وقف إسلامي هو أشبه ما يكون بإنشاء مؤسسة اقتصادية Economic Corporation ذات وجود دائم. فهو عملية تتضمن الاستثمار للمستقبل والبناء للثروة الإنتاجية من أجل الأجيال القادمة، لتوزع خيراتها في المستقبل على شكل منافع وخدمات أو إيرادات وعوائد. كل ذلك يجعل وقف كل من الأسهم، والحصص أو الوحدات في الصناديق الاستثمارية، والودائع الاستثمارية في البنوك الإسلامية من أهم الأشكال الحديثة للوقف التي تنسجم مع حقيقة المضمون الاقتصادي للوقف الإسلامي، كما مارسه الصحابة الكرام منذ وقف بئر رومة من قبل عثمان، ووقف أرض بستان في خيبر من قبل عمر?، وكلاهما في العصر النبوي الشريف، ثم أوقاف الصحابة للأراضي والأشجار والمباني، وكما عبر عنه الأئمة الكبار في القرنين الثاني والثالث من الهجرة في دراساتهم وتحليلاتهم الفقهية. وذلك لأن الأسهم والحصص والودائـع تتضمن معنى الاستثمار لبناء ثروة إنتاجية تستفيد الأجيال القادمة من منافعها وعوائدها، شأنها في ذلك شأن البساتين والنخيل والمباني.

فالوقف الإسلامي، كما وضحنا مضمونه وحقيقته الاقتصادية، هو عملية تنموية بحكم تعريفه. فهو يتضمن بناء الثروة الإنتاجية من خلال عملية استثمار حاضرة، تنظر بعين البر والإحسان للأجيال القادمة، وتقوم على التضحية الآنية بفرصة استهلاكية مقابل تعظيم الثروة الإنتاجية الاجتماعية، التي تعود خيراتها على مستقبل حياة المجتمع بكامله.

وإذا نظرنا إلى طبيعة ثمرات أو منافع أو إنتاج الثروة الموقوفة، فإنه يمكن تقسيم الأموال الوقفية إلى نوعين هما: أموال تنتج خدمات استهلاكية مباشرة للغرض الموقوفة عليه، مثال ذلك المدرسة والمستشفى ودار الأيتام، والمسكن المخصص لانتفاع الذرية. وهذا النوع من الوقف يمكن أن يكون غرضه وجهاً من وجوه الخير العامة كالمدرسة للتعليم، أو وجهاً من وجوه البر الخاصة كمسكن الذرية. ولنطلق على هذا النوع من الأموال الوقفية اسم الوقف المباشر.

أما النوع الثاني من أموال الوقف فهو ما قصد منه الاستثمار في إنتاج أية سلع وخدمات مباحة شرعا، تباع في السوق، لتنفق عوائدها الصافية أو أرباحها على أغراض البر التي حددها الواقف، سواء أكانت دينية أو خيرية عامة أم أهلية خاصة (ذرية). ولنطلق على هذا النوع من الأوقاف اسم الأوقاف الاستثمارية.

ثالثاً: التراكم التنموي في الوقف:

وقبل أن ننتقل إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه أموال الأوقاف في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإنه ينبغي النظر إلى أهمية التراكم التنموي للثروة الوقفية. وذلك لأن طبيعة الوقف ومعظم صوره، كل ذلك يجعل من الوقف ثروة استثمارية متزايدة. فالوقف في أصله وشكله العام ثروة إنتاجية توضع في الاستثمار على سبيل التأبيد، يمنع بيعه واستهلاك قيمته، ويمنع تعطيله عن الاستغلال، ويحرم الانتقاص منه والتعدي عليه. فالوقف إذن ليس فقط استثماراً من أجل المستقبل أو بناء لثروة إنتاجية ، بل هو استثمار تراكمي أيضا يتزايد يوما بعد يوم، بحيث تضاف دائما أوقاف جديدة إلى ما هو موجود وقائم من أوقاف قديمة، دون أن ينتقص من القديمة شيء.

ولقد كان الوقف يتزايد في تاريخنا، حتى في عصور الانحطاط والتمزق. ولاشك أن الشرط الضروري لاستمرار تزايد الوقف هو استمرار عملية تحبيس الثروات المنتجة من قبل الناس. وهو أمر يرتبط بالإحساس الديني نفسه. أما المال الموقوف، فإذا لم يشترط الواقف تخصيص جزء من إيراداته للزيادة في أصل المال، فإن جميع إيراداته ينبغي أن تنفق على أغراض الوقف. ومع ذلك فقد اتفق العلماء على أن الوقف المؤبد يجب أن ينفق على صيانة أصله من إيراداته، حتى ولو لم ينص الواقف على ذلك. معنى هذا أن الشريعة تبغي المحافظة - على الأقل - على أصل مال الوقف وعلى قدرته على الإنتاج المستمر.

على أن ثمة عاملاً آخر، برز منذ أوائل القرن العشرين وأدى أيضاً إلى تزايد ملحوظ في القيمة الإنتاجية للتراكم الوقفي الموروث من الماضي. وهذا العامل هو التزايد السكاني والنمو الاقتصادي معبَّرا عنه بتزايد حجم الإنتاج القومي. وذلك لأن معظم الأموال الوقفية الموروثة من الأجيال الماضية موجودة فيما صار اليوم من أفضل وأحسن المناطق السكنية والتجارية بالنسبة لأوقاف المدن، وأخصب الأراضي الزراعية وأقربها لمراكز التسويق بالنسبة للأوقاف خارج المدن. وسبب ذلك تاريخي واضح لأن هذه الأوقاف أنشئت في عصور كانت فيها المدن أصغر، وعدد السكان أقل، والأراضي الزراعية أقل مساحة وأقرب لتلك المدن الصغيرة.

وقد ساعد على ارتفاع القيمة الإنتاجية لكثير من الأوقاف المتراكمة، التطورُ الكبير في تكنولوجيا البناء الذي جعل التوسع العمودي في المباني ممكنا، ممازاد كثيراً في القيمة التبادلية للأراضي الموقوفة في المدن. بل إن كل ذلك أدى إلى التطلع إلى إعادة تشكيل بعض الأموال الوقفية المباشرة، كالمساجد، والمساكن، بحيث ينقض البناء القديم ويبنى بدلا منه بناء متعدد الأدوار، يستعمل واحد منها مسجداً أو مسكناً للموقوف عليهم، ويستغل الباقي استغلالاً استثمارياً يعود نفعه على غرض الوقف نفسه. وهذا أمر حدث فعلا في كثير من العواصم الإسلامية؛ مثل مكة المكرمة، والقاهرة، ودمشق، والرباط، واسطنبول.

رابعاً: أهمية الوقف في التنمية الاقتصادية والاجتماعية:

تقوم فكرة الوقف نفسها على تنمية قطاع ثالث متميز عن كل من القطاع الخاص، والقطاع الحكومي، وتحميل هذا القطاع مسؤولية النهوض بمجموعة من الأنشطة هي - بطبيعتها - لا تحتمل الممارسة السلطوية للدولة، كما أنه يفيد إبعادها عن الدوافع الربحية للقطاع الخاص. هذا وذاك لأن طبيعة هذه الأنشطة تدخل في إطار البر والإحسان والرحمة والتعاون، لا في قصدِ الربح الفردي، ولا ممارسةِ قوة القانون وسطوته.

وفي هذا نقطةٌ بارزة تميز النظام الإسلامي الذي استطاع أن يفرد القطاع الاقتصادي الثالث بأهمية خاصة، وبحماية وتشجيع قانونيين، لدرجة أن بعض الحكام والأغنياء كانوا يحوّلون أموالهم أوقافا لوجوه البر حماية لها مما يمكن أن يفعله الحكام من بعدهم من مصادرة وعدوان على هذه الأموال.

فالنظام الإسلامي يقرر، منذ البدء، أن أي مجتمع إنساني، وأن المجتمع الإسلامي بشكل خاص، يحتاج إلى أنشطة اجتماعية/اقتصادية تتحرر من دوافع تعظيم الربح و تعظيم المنفعة الشخصية، لأنها تهدف إلى البر والإحسان. وهو هدف تبرعي ينبني على التضحية والتخلي عن المنفعة الشخصية. ولكن هذا النوع من الأنشطة ينبغي - بنفس الوقت - أن يبقى في منأى عن سطوة السلطة والقوة المتلازمة مع ممارستها الحكومية، وما يرافقها في أحيان كثيرة من فساد إداري واستغلال للسلطة وإساءة لاستعمال السلطة لأن هذا النوع من الأنشطة قائم على المودة والمرحمة.

فينبغي لذلك تنظيم هذه الأنشطة في قطاع اقتصادي مستقل، وتقديم التشجيع لها، وبسط الحماية القانونية عليها، صونا لها من جميع دوافع المنفعة والربح الفرديين، من جهة، وإبعادا اها عن تسلط القرار الحكومي من جهة ثانية..."وإن شئت حبستها وجعلت غلتها في الفقراء والمساكين" كما قال رسول الله ? لعمر في شأن أرضه في خيبر.

فالوقف هو إخراجٌ لجزء من الثروة الإنتاجية في المجتمع من دائرة المنفعة الشخصية ودائرة القرار الحكومي معا، وتخصيصٌ لذلك الجزء لأنشطة الخدمة الاجتماعية العامة. ولقد قررت الشريعة أن هذه الأنشطة والخدمات هي حاجة بشرية لا تقتصر على المجتمع الإسلامي فقط بل هي لغير المسلمين أيضا. ولقد بلغ من عدل الشريعة أنها قررت أنه يصح أن يوقف غير المسلم على ذريته، وله أن يشترط أن يُستبعد من الانتفاع بالوقف من يسلم منهم...

خامساً: لمحة عن البعد التاريخي للأوقاف الإسلامية:

ولقد كانت الممارسة الاجتماعية لهذا القطاع التبرعي، خلال التاريخ الإسلامي، متطورة جدا من حيث الحجم والأغراض. فقد بلغت الأوقاف الإسلامية مقدارا ملحوظا جدا من مجموع الثروة الإنتاجية في جميع البلاد والمجتمعات الإسلامية، التي أتاح لها تتابع السنين فرصة مناسبة لتراكم الأموال الوقفية.

ففي كثير من المدن والحواضر الإسلامية تحتل أملاك الأوقاف عقارات رئيسة وسط المدينة وفي قلب مركزها التجاري. كما تشمل جزءاً كبيرا من خيرة أراضيها الزراعية، وبخاصة تلك القريبة من المدن والأمصار. فقد بلغت مساحة الأراضي الزراعية الموقوفة حوالي ثلث الأراضي المزروعة في مصر في مطلع القرن التاسع عشر. كما أن الأوقاف الاستثمارية في المدن، من مبان سكنية وتجارية بلغت حدا كبيرا، إضافة إلى الأوقاف المباشرة من مساجد، ومدارس، ومستشفيات، ودور للأيتام. حتى إن مدينة القاهرة اشتهرت بأنها مدينة الألف مسجد.

وقد بلغت الأوقاف الزراعية وأوقاف المدن حدا كبيرا جدا في جميع البلدان الإسلامية التي أتيحت لها الفرصة الزمنية الطويلة للتراكم. ففي تركيا لم تكن الأراضي الزراعية الموقوفة لتقل عن ثلث مجموع الأراضي الزراعية عند تحول تركيا إلى الجمهورية في أواخر الربع الأول من القرن العشرين. وبلغت الأوقاف مثل ذلك القدر الكبير من مجموع الثروة القومية في سورية وفلسطين والعراق والجزائر والمغرب وفي منطقة الحجاز من السعودية.

أما من حيث أغراض الوقف، فقد استطاعت الأوقاف الإسلامية أن تستخلص لنفسها قطاعات رئيسية من النشاط الاجتماعي التنموي، تديرها براً وإحساناً، محافظة على هذه الأنشطة بعيدا عن تسلط القطاع العام.

فالتعليم والثقافة والبحث العلمي قطاعات تخصصت بها الأوقاف الإسلامية منذ أن بدأ التعليم يتخذ نموذج المدرسة المستقلة عن دور العبادة. فقد بلغ عدد المدارس الابتدائية، في جزيرة صقلية - عندما كانت إسلامية - حوالي ثلاثمائة مدرسة كلها موقوفة، وكلها تموَّل الدراسة فيها من إيرادات الأموال الموقوفة وقفا استثماريا، كما يذكر ابن حوقل. وتجاوز عدد المدارس العشرات والمئات في القدس ودمشق وبغداد والقاهرة ونيسابور. وقد شملت هذه المدارس جميع المستويات الابتدائية، والمتقدمة، والجامعية المتخصصة. فقامت جامعات معروفة عريقة منها جامعة القرويين في فاس وجامعة الأزهر في القاهرة والجامعات النظامية والمستنصرية في بغداد وغيرها كثير في سائر الأمصار الإسلامية. وكانت الأوقاف لا تقدم لهذه الجامعات والمدارس المباني وحدها، بل تقدم أيضا أدوات الدراسة من قرطاس وحبر، وأقلام، وكتب علمية، ورواتب المعلمين والمدرسين. وكثير من هذه المدارس والجامعات كانت تقدم فيها الأوقافُ المنحَ الدراسية للطلبة بما يكفيهم لمعيشتهم إضافة إلى السكن الجامعي الخاص بالطلبة.

يضاف إلى ذلك العديد من المكتبات العلمية العامة التي كان يحوي البعض منها مئات الآلاف من المجلدات العلمية. وقد أنشئت هذه المكتبات كلها بأوقاف إسلامية. وأوقف المحسنون عليها البساتين والعقارات لتجهيزها بالكتب، وإمدادها بالموظفين والعاملين والمشرفين، ودفع مرتبات للقراء والدارسين القادمين من بلدان أخرى.

ولقد بلغ من تقدير أهمية المكتبات أن الذين يقولون بعدم صحة وقف المنقول من الفقها المسلمين قد استثنوا المصحف والكتاب من شرطهم هذا. بل إنهم ذهبوا إلى تيسير استعارة العلماء والباحثين للكتب، حتى إنهم قالوا ببطلان شرط الواقف إن اشترط رهنا لإعارة الكتاب من المكتبات العامة.

كل ذلك أدى إلى انتشار التعليم وتوسعه وشموله جميع الطبقات الاجتماعية فضلا عن استقلاله عن أصحاب السلطة والحكام. الأمر الذي جعل العلماء المسلمين من فقهاء ومحدثين وأطباء وفلاسفة زعماء شعبين وقيادات مجتمعية بكل معنى الكلمة، يقفون في وجه السلطة عندما يرون فيها خطأ، ولايحتاجون إلى ممالأة الحكام ولا إلى تبرير أعمالهم وتصرفاتهم.

كما أدى إلى تقليل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، وإقامة نظام اجتماعي دائم التطور والديناميكية بسبب توفر فرص التعليم لجميع الطبقات وبخاصة الفقراء.

أما بالنسبة للخدمات الصحية. فقد تولت الأوقاف الإسلامية تقديمها في طول البلاد الإسلامية وعرضها. فقدمت مباني المستشفيات، وتجهيزاتها، ومختبرات العقاقير، ورواتب الأطباء والمسـاعدين، بل إنها قدمت أجوراً لمن يهمسون في آذان المرضى كلمات توحي إليهم بقرب الشفاء وبساطة المرض وسهولة علاجه. وفوق كل ذلك فقد أقامت الأوقاف الإسلامية كليات الطب ورعت دراسات الصيدلة والكيمياء، وقدمت الرعاية الصحية - من إيرادات أموال الأوقاف - للطلبة والمتدربين في كليات الطب ولأساتذتها بشكل منتظم. بل لقد بلغت درجة التخصص في رعاية الأوقاف الإسلامية للعلوم الطبية أن وجدت أوقاف خاصة بطلبة الطب، وأخرى للتأليف في علم الصيدلة، وغيرها لرعية المرضى في المستشفيات.

وقدمت الأوقاف الإسلامية الرعاية لأماكن العبادة أيضا من مساجد، وزوايا، إضافة إلى المقابر وأمكنة غسل الموتى.

أما في مجال الرعاية الاجتماعية وحماية البيئة ورعاية الحيوان، فقد كانت الأوقاف الإسلامية طويلة الباع في هذا المجال أيضا. إن أول وقف بنى عليه الفقهاء جل اجتهاداتهم في فقه الوقف كان وقف عمر في خيبر. وقد وقفه للفقراء والمساكين وابن السبيل. فالمساعدة الاجتماعية ومحاربة الفقر بتقديم المأكل والملبس، والمأوى لجميع ذوي الحاجة كان دائما الهدف الأول والعظيم للأوقاف في النظام الإسلامي. بلغ ذلك درجة من الأهمية أن الفقهاء يعتبرون أن الوقف يُجعل لصالح الفقراء والمساكين إذا لم يصرح الواقف بغرض معين لما أوقفه. فغرضه الأول إذن هو دائما رعاية الفقراء والمساكين.

ولقد شملت الأوقاف أنواعا خاصة من ذوي الحاجة كالأرامل والشباب المحتاجين للزواج، والفتيات الفقيرات في تجهيزهن لبيت الزوجية عند الزواج، والأمهات المرضعات، والنساء اللواتي يتنازعن مع أزواجهن فيطردن أو يتركن بيوتهن.

وشملت الأوقاف أيضا الفنادق على طرقات الأسفار، والينابيع لسقيا عابري تلك الطرقات. وكان من أوقاف المسلمين ما هو مخصص لرعاية الأطفال، وتحرير الرقيق، ورعاية الحيوان، وتقديم مياه الشرب للقرى والمدن وسحبها بأنابيب خاصة بلغت عشرات الأميال في بعض الأحيان كما في القيروان، والمشاركة في قطاع الأمن الخارجي للأمة ببناء الحصون والرُبُط ووقف السلاح والبساتين عليها.

كل هذه القطاعات الخدمية كانت مما تخصصت الأوقاف الإسلامية به خلال قرون طويلة. وهي تستطيع اليوم تقديم مقدار هائل من الإنتاج الخدمي في هذه المجالات، إذا ما أتيحت للأوقاف الظروف الملائمة لاستثمار ما هو موجود منها وتنميته؛ ولتشجيع استئناف عملية التراكم الرأسمالي للأوقاف ثم الاستمرار فيها.فمن المعروف أن هذه العملية قد تضاءلت خلال القرنين الماضيين في معظم البلدان والمجتمعات الإسلامية؛ وإذا ما أتيحت كذلك الفرصة لاسترداد الأملاك الوقفية التي تم تحويلها إلى استعمالات أخرى خاصة أو عامة، بطرق وأساليب هي في مجموعها غير مشروعة، لدرجة أن بعض القوانين الحديثة أدركت هذه الخسارة الكبيرة في الأملاك الوقفية، فقررت العمل على استردادها، مهما كانت اليد الحاضرة التي تسيطر عليها، كما فعل قانون الأوقاف الجزائري الجديد الصادر في العام 1990م.

الفصل الثاني

الشروط العامة للنهوض بالأوقاف الإسلامية

إن الشرط الأول والأساس للنهوض بالأوقاف الإسلامية هو توفر الإرادة السياسية الواعية لذلك. فإذا وجدت الإرادة السياسية، أمكن عندئذ الحديث عن المتطلبات الأخرى للنهوض بالأوقاف ولإعادتها إلى العطاء الخدمي في صورة تعليم، وصحة، وخدمات مجتمعية، وخدمات للبيئة، وغير ذلك مما كانت تقوم به في الماضي، ومما يمكن أن تتوسع للقيام به في المستقبل .

لا بد بعدئذ من رسم الخطوات اللازمة لنمو الأوقاف واستعادة صحتها في ضوء الواقع الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي القائم في العالم اليوم، وبشكل أخص في البلدان والمجتمعات الإسلامية حيث تتوضع معظم أملاك الأوقاف القائمة، وذلك بما يتلاءم مع الظروف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في كل بلد أو مجتمع إسلامي، وحيث يتوقع أن تتوجه الإرادة إلى إيجاد البيئة القانونية والإدارية الملائمة لتشجيع قيام أوقاف جديدة واستئناف عملية التراكم الوقفية التي استمرت أكثر من عشرة قرون في كثير من البلدان الإسلامية .

ويمكن أن نلخص الخطوات العامة التي نعتقد أنه لا بد منها في هذا السبيل فيما يلي :

1 - استصدار قانون للأوقاف يتضمن تعريف، وتنظيم، وحماية الأوقاف بنوعيها الخيري العام والذري (أو الأهلي) الخاص .

2 - حماية أموال الأوقاف الموجودة، من عقارات ومبانٍ وأموال منقولة، والمحافظة عليها من الغصب والضياع والتعطيل، وحفظ سجلاتها.

3 - العمل على استرداد أملاك الأوقاف التي حوّلت إلى استعمالات أخرى بطرق غير مشروعة. ومراجعة السجلات القديمة للأوقاف في المحاكم والدوائر العقارية وغيرها لتحديد الأملاك الوقفية والبدء بإجراءات إعادتها إلى ميدانها الوقفي .

4- إعادة النظر بإدارة أملاك الأوقاف، وبخاصة الأوقاف الاستثمارية، بماينسجم مع إرادة وشروط الواقفين من جهة ومع نصوص الشريعة ومقاصدها من جهة أخرى .

وسنبين فيما يلي من فصول أن الأسلوب الأنجع - في نظرنا - في إدارة الأوقاف الاستثمارية هو الذي يشبه أسلوب إدارة المؤسسات الاقتصادية Economic Corporations. فقد استطاعت هذه المؤسسات أن تنجح على الرغم من انفصال الملكية عن الإدارة وغياب المالكين في معظم الأحيان عن أعمال الإدارة المباشرة. ولقد كان سبب النجاح هو قدرة التنظيم الإداري للمؤسسة الاقتصادية في أن يربط بين منفعة المديرين من جهة، ومنفعة المالكين من جهة أخرى، وأن يقيم نظاما للرقابة على الإدارة ناجحاً إلى درجة معقولة ومقبولة إنسانياً .

وسنوضح كيف يمكن تطبيق هذين المبدأين في إدارة الأوقاف الاستثمارية وأن الانتقال من أسلوب وزارات الأوقاف في الإدارة إلى شكل آخر من الإدارة الحكومية، ليس هو أفضل الخيارات لإدارة الأوقاف الاستثمارية، وبخاصة في عصر انكشفت فيه للناس جميعا عيوب الإدارة الحكومية واتجهت فيه الشعوب جميعها نحو خوصصة المشروعات الاقتصادية التي تديرها الحكومات .

5 - وضع النظم اللازمة للتعريف بالأوقاف الخيرية العامة والأهلية الخاصة، وبيان وتعميق دورها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتشجيع قيام أوقاف جديدة. وإعادة إدخال الأوقاف الذرية في البلدان التي ألغتها، وبخاصة بعد أن اتجهت عدة مجتمعات معاصرة متطورة إلى تأكيد أهمية هذا النوع من الأوقاف وتشجيعها .

6 - تقديم المعونات المادية والفنية والتمويلية والإدارية للأوقاف، إضافة إلى المعاملة الضريبية المتميزة، كما فعلت كثيرة من المجتمعات الغربية بعد أن أدركت أهمية الأوقاف بنوعيها الخيري والأهلي .

7 - إعادة النظر بفقه الوقف الموروث حتى يتم التعامل مع صورة جديدة من الأوقاف لم تكن موجودة في الماضي أو لم تكن الحاجة تدعو إليها، وذلك في معرض تشجيع الأوقاف الجديدة ونهضتها .

8 - وضع الخطط اللازمة لاستثمار وتنمية الأملاك الموجودة للأوقاف، التي تعطلت عن العطاء خلال العصور المتأخرة لأسباب تاريخية كثيرة، وتوفير فرص التمويل المناسبة لها.

9- إعادة تعريف دور وزارات الأوقاف في البلاد الإسلامية بحيث تنقسم إلى قسمين رئيسين، قسم لإدارة المساجد والإشراف على الأنشطة الدينية، وقسم للإشراف على الإدارات المؤسسية للأوقاف الأخرى ورقابتها وتقديم الدعم والمساعدة لها .

وتحديد العلاقة بين قسم الإشراف على الأوقاف وبين إدارات الأوقاف بشكل دقيق، يمنع استيلاء وزارات الأوقاف على الإدارة، ويجنب مساوئ الإدارة العامة لأموال الأوقاف الخدمية والاستثمارية. وبنفس الوقت، يخضع إدارات أموال الأوقاف لرقابة إدارية صارمة.

ويتطلب ذلك إعادة نظر بالمرجعية الإدارية لمديري الأوقاف (النظار أو المتولين). فقد اعتادت المجلدات الفقهية أن تجعل القضاء هو المرجع الإداري للنظار. ونرى أن لذلك أسبابا قد تكون تاريخية أكثر منها شرعية أو مؤسسية. فالقضاء كجهاز لفض المنازعات لا يصلح للمرجعية الإدارية. وهنا ينبغي ترك القضاء لفض المنازعات بين الناظر من جهة وكل من مجالس الإدارة وهيئات الموقوف عليهم والوزارة المشرفة من جهة أخرى، وترك المرجعية في الإشراف الإداري لتلك المؤسسات المذكورة على سبيل التتابع أو التوالي، كما سنوضح ذلك في الباب الثاني من هذا الكتاب .

10 - تكليف وزارة الأوقاف بشكل واضح بالعمل على تشجيع إنشاء أوقاف جديدة، وإقامة الهيكل المؤسسي اللازم للمساعدة في إنشاء أوقاف جديدة، وتشجيع الأفراد على إقامتها وتقديم التسهيلات الضريبية والإدارية وغيرها، وكذلك الإعانات الإدارية والمالية لها حتى تتمكن من أداء دورها الاجتماعي والاقتصادي .

ومن أجل تحقيق هذه الخطوات - التي لم نذكرها على سبيل التتابع- لابد من استصدار القوانين اللازمة لتعريف وتنظيم وحماية الأوقاف بنوعيها الخيري العام والذري (أو الأهلي) الخاص، وتحديد خصائصها ودورها التنموي والاجتماعي بشكل عام، وبيان مجالات نشاطاتها.

وينبغي أن تتضمن هذه القوانين تنظيم وتحـديد علاقـة الوزارة المشـرفة - وزارة الأوقاف - بالأوقاف الخيرية مع التمييز بين الأوقاف المباشرة والأوقاف الاستثمارية. كما ينبغي أن تنظم إدارة أملاك الأوقاف وصلاحيات الناظر أو المدير ومجلس الإدارة وهيئة الموقوف عليهم وكيفية اختيار كل من المدير والمجلس والهيئة وقيامهم بأعمالهم وحدود الصلاحيات التي يمارسونها، وغير ذلك مما ذكرناه أعلاه.

كل هذه النقاط سنقوم بمعالجتها بشيء من التفصيل في الفصول اللاحقة من هذا الكتاب.

الفصل الثالث: أهداف الأموال الوقفية

تهدف الأموال الوقفية - كما قلنا - إلى تقديم منافع تدخل في وجوه البر عامة، من دينية وخيرية وأهلية. ثم إن أموال الوقف إما أن تستعمل مباشرة لتحقيق هدفها أو تستغل فيما هي معدة له وتستعمل إيراداتها وعوائدها وغلاتها في وجه البر الذي حبِّست عليه.

ومن المعروف أن الأفراد يهدفون في غالب تصرفاتهم إلى تحقيق المنفعة الذاتية لأنفسهم. فهم كمستهلكين غالباً ما يعملون على تحصيل أكبر قدر من المنفعة الشخصية بشكل عام، مع اعتبار الفوارق في المعتقد والأفكار والتأثيرات الاجتماعية التي تعني وجود نزعات أخرى تنافس المنفعة الشخصية في عمق النفس البشرية. وهم كمنتجين يعملون على تحقيق أكبر قدر من الربح لأن هذا يتيح لهم تعظيم منافعهم. كل ذلك أيضاً ضمن حدود المعتقدات والأفكار والتأثيرات الاجتماعية الأخرى.

وعند الحديث عن أهداف أموال الأوقاف لنا أن نتساءل عن مدى انطباق هدف تعظيم المنفعة أو الربح على أموال الأوقاف.

وكذلك فإن مسألة أخرى نشأت عن التغير في تكنولوجيا البناء لابد أيضاً من بحثها لعلاقتها بأهداف استعمال أموال الأوقاف، وهي مدى إمكان تحويل وقف مباشر إلى وقف يجمع بين الاستعمال المباشر والاستغلال الاستثماري معاً، والشروط التي ينبغي توفرها لإجراء مثل هذا التحويل.

وسنخصص الفصل الحالي لدراسة هاتين المسألتين.

أولاً: تعظيم الربح أو المنفعة في أموال الأوقاف:

كان الدكتور أنس الزرقا ممن طرح هذا التساؤل وأجاب عليه بأن أموال الأوقاف يجب أن يتم استثمارها على أساس مبدأ تعظيم الربح، بأن "تبحث في دائرة مشروعات الحلال عن تلك المشروعات التي تولد لها أكبر عائد مالي". وهو يحتج لذلك بفقر معظم وزارات وإدارات الأوقاف، وحاجتها للأموال للإنفاق على أنشطتها الدينية. ويضيف أيضاً بأن ناظر الوقف - بصفته وكيلا - ينبغي له، بل يجب عليه أن يراعي مصلحة الموقوف عليهم، ولايكون ذلك إلا بتعظيم إيراد الوقف.

ومن الواضح أن كلام الزرقا ينصرف إلى الأوقاف الاستثمارية. ولنا أن نتساءل : أولاً : هل ينسجم مبدأ تعظيم العائد الصافي للأوقاف الاستثمارية دائما مع إرادة الواقف؟ وثانياً : هل يندرج تحت هدف تعظيم الربح تعظيم المنفعة أيضا للمنتفعين من الوقف عندما يكون الوقف مباشراً نحو دار الأيتام مثلا؟ فنقول مثلاً : إن على متولي الوقف المباشر أن يسعى أيضاً لتعظيم المنافع المتحصلة للموقوف عليهم من الوقف.

لا نشك في أن السبب الثاني الذي استدل به الزرقا على الالتزام بتعظيم العائد الصافي للأوقاف الاستثمارية، وهو أن مدير الوقف وكيل ليس له إلا أن يعظم عائد الموكل، وهم الموقوف عليهم بالنسبة لمال الوقف، يشكل مبدأ فقهيا معروفا له سوابق فقهية كثيرة. فالوصي على اليتيم، والوكيل بالنسبة للموكل، والحاكم بالنسبة للمحكومين، والأجير بالنسبة لرب العمل، كل أولئك مطلوب منهم تعظيم منفعة أصحاب المال عند قيامهم على أموال الأطراف الثانية في كل ثنائي مذكور. وليس لهم أن يتبرعوا من أموال من يقومون بإدارة أموالهم إلابإذنهم. فكلهم أمناء، ومن أداء أمانتهم النصح لصاحب المال، والنصح لايكون إلا بتعظيم منفعته، فإنما جعل المال للانتفاع به.

وبالتالي فإن هدف الناظر في إدارته للأوقاف الاستثمارية ينبغي أن ينحصر في تعظيم الربح. وليس له أن يتجه عن ذلك إلى وجهات أخرى كتعظيم الاستخدام، أو تحسين البيئة، أو إنتاج السلع الأساسية التي تلبي الضروريات في المجتمع، أو غير ذلك.

إن مثل هذه الأهداف قد تصلح للدولة التي تمولها من موارد متوفرة لديها بأي أسلوب مشروع. ولكنها لا تصلح لمتولي الوقف الذي يمثل منفعة خاصة هي منفعة غرض الوقف لا غير.

ولا شك هنا أيضا أنه إذا أمكن الجمع بين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الأخرى وبين تعظيم الربح فإن ذلك يحسن بالمتولي، كمايحسن بالمستثمر الخاص بنفس المنطق. لأنه عندئذ تعظيم وإحسان معا، مثل من يعطي صدقة لذي قربى، فتكون له صلة وصدقة معا. ولكن لا ينبغي للأهداف الأخرى أن تصرف المتولي عن هدفه الأول والأساسي، وهو تعظيم الربح أو العائد الذي يُردّ إلى غرض الوقف.

وهذا التعظيم لا يكون إلا من خلال المسموحات شرعا وقانونا، لأن مخالفة الشرع والقانون تعرضه لعقوبة المعصية في الآخرة، أو لعقوبة الحكومة في الدنيا أو للعقوبتين معا. فليس للناظر بحجة التعظيم أن يخالف الشرع أو أن يخالف القانون.

ولكننا لا نوافق الدكتور الزرقا على السبب الأول الذي ذكره حجة للتعظيم، ففــقر وغنى وزارات الأوقاف، ووجــود عجــز أو وفر في ميزانياتها، وقلة أو كثرة ما لديها من أوقــاف، أمور لها أســبابها ونتائجــها الأخرى، مما لايجعلها سببا لانطباق هدف تعظيم العائد أو عدمه على أموال الأوقاف. فينبغي - في نظرنا - تعظيم العائد بغض النظر عما هو موجود لدى بعض وزارات الأوقـاف من أموال موقوفة، أو إيرادات من استثمار الأوقاف، أو من غيرها وبغض النظر عن ميزانياتها واحتياجاتها المالية.

ولكننا نرى أن تطبيق هدف تعظيم الربح على استثمار مال الوقف ينبغي أن يطـور بما يناسب طبيعة الوقف الغيرية. إذ ينبغي أن ننظر إلى مبدأ تعظيم العائد الصافي للأوقاف نظرة واقعية. فالأوقاف نفسها إنما هي من أنواع الصدقات،لم يُقصد منها إلا البر. فهي تتضمن دائما معاني الإحسان والتبرع والعطف والرحمة. ولا ينبغي من أجل ذلك النظر إليها نظرة مادية بحتة لاتعرف إلا لغة الأرقام والمعادلات والمنحنيات البيانية.

خذ مثلاً وقف عمر في خيبر، ونص وثيقته معروف. فهو وقف للفقراء والمساكين وابن السبيل، ..الخ. ولكن عمر، رضي الله عنه، وضع عليه ناظراً غنياً، كان هو عمر نفسه في حياته، وحفصة أم المؤمنين من بعده، ومن بعد ذلك غيرها من آل عمر. وأَذِن عمر للناظر أن يأكل بالمعروف، فهل يعقل لناظر ذلك الوقف أن لا يقري ضيفا بالمعروف أيضا؟ بحجة أن عمر لم يذكر قرى الضيف وإنما ذكر أكل الناظر!

إننا نرى في الوقف صفة الإحسان موجودة إلى جانب صفة تعظيم العائد. فالوقف كله إحسان. وكثير من أشكال الإحسان الجانبية في الوقف قد نجدها في نص شروط الواقف، كإذن عمر لناظر الوقف أن يأكل منه بالمعروف، وقد نجدها متضمنة أحياناً في روح الوقف، وبين سطور تلك الشروط، فلا ينبغي أن نغفل عنها. فالأمر إذن هو تعظيم للعائد مقيد بالإحسان، مشروطا كان هذا القيد أم ضمنيا.

ومن جهة أخرى، فإننا نرى أن ما يقال عن تعظيم العائد المالي يقال بنفس القيد الذي ذكرناه، عن تعظيم المنافع من الأوقاف المباشرة. فالناظر على المسجد، سواء أكان إدارة حكومية أم جهة أخرى، مطالبَ أن يجعل المسجد متوفرا للصلاة، والاعتكاف، والوعظ، والإرشاد، ولكل ما وضع المسجد له من عبادات وشعائر دينية، وذلك كأحسن ما يكون، بحيث يعظم المنافع التي يستخلصها المصلون وسائر الموقوف عليهم، على ضوء الأحكام الشرعية والشروط التي وضعها الواقف إن وجدت. والناظر على المستشفى الوقفي مطالب أن يديره بحيث يحقق أكبر قدر من المنافع للمرضى والأطباء وسائر العاملين في المستشفى، حسبما اشترطه الواقف وتحقيقا لأكبر قدر من غرض الوقف. ومثل ذلك ناظر المدرسة، وناظر الدار المحبوسة لسكن الذرية أو لقاءاتهم واجتماعاتهم.

كل هذا التعظيم للمنافع، يكون من خلال تحقيق البر والإحسان العام الذي يتفق مع شروط الواقف ورغبته في البر والإحسان. مثال ذلك قد يقبل ناظر المدرسة الوقفية فتح موقف السيارات فيها للمصلين في مسجد قريب يوم الجمعة مجانا بدلا من تكليفهم أجرة لوقوف سياراتهم وقت الصلاة، باعتبار أن المدرسة ومواقفها قصد منها الواقف الانتفاع المباشر ولم يقصد الاستثمار، وإن دخول المسجد لصلاة الجمعة هو نفسه ينسجم مع أهداف البر والإحسان التي حبست المدرسة من أجلها. فالمدرسة من أهدافها أن تربي جيلاً يرتاد المساجد. قد يفـعل النــاظر ذلك على الرغم من أن تطبيــق مبــدأ التعظيــم -بحرفيته - قد يدفع به إلى أن يؤجر هذه المواقف للمصلين بدلا من منحها مجاناً.

يضاف إلى ذلك أن تعظيم منافع الموقوف عليهم ينبغي أن يكون في حدود شروط الواقف. فقد نص الفقهاء أنه لا ينقل مسجد من مكان إلى آخر، إلا إذا امتنع الانتفاع به حيث حبسه الواقف. فليس للمتولي هنا أن يعُدّ المصلين فينقل المسجد كلما وجد عددا أكبر في مكان آخر قريب....

ثانياً: مدى جواز تحويل وقف مباشر إلى وقف مباشر واستثماري معاً:

إن الإجابة على هذا التساؤل إجابة عامة يتوقع لها أن تكون سلبية، أو على الأقل غير محددة، لأن تحويل وقف مباشر إلى وقف مباشر واستثماري معا أمر ليس من شرط الواقف، ولكنه مع ذلك يحتاج إلى تفصيل. فينبغي أولاً تحديد ما إذا كان التحويل يتضمن تغييرا مهما في هدف شروط الواقف. وإذا كان يتضمن تغييرا لها، فهل التحويل في صالح الوقف ؟ وهل يقلل من المنافع المخصصة للموقوف عليهم أم لا يقلل من ذلك؟ وهل هو أمر مفيد جدا أو ضروري للوقف وقدرته على إنتاج منافعه؟ أم أن المصلحة المتحققة من التحويل هامشية فقط؟

فلندرس أولا بضعة صور ليست كثيرة الحدوث في العادة، ثم ننتقل إلى الصورة الأكثر شيوعا في الأوقاف القائمة فعلا في البلاد والمجتمعات الإسلامية المعاصرة. فمن الصور المحتملة الحدوث أن يمكن تأجير مدرسة وقفية في الأوقات التي لا تنعقد فيها الدراسة، كالأمسيات والعطل وغير ذلك لإقامة مهرجانات واجتماعات مباحة شرعا، دون أن يؤثر ذلك التأجير على الاستعمال المدرسي للمبنى وملحقاته، مع استعمال العائد الناتج عنه لصالح المدرسة نفسها. أو أن يكون المسجد أثرياً، ومثله المكتبة الأثرية والمدرسة الأثرية مثلا، فيدخله السياح لقاء أجر محدد، ويستعمل العائد لصالح الوقف نفسه، مع مراعاة عدم وجود أي تأثير سلبي لزيارة السياح، مما يصعب تحمله أو يسبب أي حرج للمنتفعين من المال الموقوف حسبما هو معدٌ له، ومع تجنب أي محذور شرعي في هذا النوع من السياحة.

ومثله أيضا أن يكون الوقف سكنا جامعيا للطلبة فيطالب الناظر الساكنين بعدم المكث في المبنى في العطل الجامعية ويؤجر المبنى للمؤتمرات والندوات، فيكون في ذلك دخل للوقف ينتفع به في صيانته، وتخفيض أجور السكن للطلبة، وإيراد قد يحتاج إليه لإدارة المبنى وإضاءته وتدفئته وصيانته، الخ .

وعلى فرض عدم وجود أية مخالفة شرعية في أي من هذه الاستثمارات الإضافية، فإنه من الصعوبة بمكان الاعتراض - من الوجهة الشرعية - على هذه الصور من الاستثمار الجانبي للأموال الوقفية المباشرة، الذي ما كان في حسبان الواقف ولم يرد في شروطه لأن فرصه ما أتيحت إلا بسبب التغيرات الثقافية والتكنولوجية التي حصلت في العصور الأخيرة فقط .

أما الصورة الأكثر تكرارا، فهي أن يتهدم المبنى الوقفي، أو يحترق أو يحتاج إلى إعادة بنائه، أو تكون هنالك مصلحة استثمارية كبيرة في هدمه وإعادة بنائه. فتبرز هنا إمكانية بنائه من أدوار عديدة، بحيث يبقى واحد منها أو أكثر، حسب الحاجة ومصلحة غرض الوقف، للاستعمال الوقفي، وتخصص باقي الأدوار للاستثمار لصالح الوقف نفسه. إن مثل هذه الحالة قد حصلت فعلا في كثير من المباني الوقفية من مساجد ومدارس ومستشفيات وزوايا ومكتبات ومبان سكنية، وما زال ذلك يتكرر في كل حين في جميع المدن والحواضر الإسلامية. بل قد يكون فيه تعظيم لغرض الوقف نفسه، بحيث تزداد المساحة الاستعمالية المخصصة لأغراض الوقف المباشرة، كأن تخصص لها عدة أدوار في المبنى الجديد بدلا من دور واحد كما كان حين أوقفه الحابس .

وهنا أيضا لا نرى وجهاً للاعتراض الشرعي، طالما أن ذلك لايتعارض مع حقيقة قصد الواقف ولا مصلحة الموقوف عليهم. وإن كنا نعتقد أن أي استثمار للأدوار الأخرى ينبغي أن يكون مما ينسجم مع طبيعة الغرض العام للوقف وهو البر والإحسان، فلا يجوز استثمار أي جزء من المبنى الجديد فيما هو معصية أو مفسدة لأنها تتعارض مع روح الطاعة والتقرب إلى الله تعالى مما هو متضمن في كل وقف .

ولا ينبغي أن يقتصر هذا التحفظ، أو هذا الشرط، على وقف المسجد، بل إنه ينسحب وينطبق على كل وقف إسلامي آخر، لأن كل وقف هو طاعة وقُربة. وإن كان ينبغي الإشارة إلى أن أية مخالفة شرعية تتغلظ بالنسبة لوقف المسجد .

فلا بد لنا إذن من الخلوص إلى تحديد شروط التعديل في نوع استعمال الوقف بإضافة استعمالات استثمارية إلى الاستعمال الأصلي، ولعل أهم هذه الشروط ما يلي:

1- أن تترك للاستعمال الأصلي مساحة كافية بحسب بيئة الوقف الاجتماعية والاقتصادية، بحيث لا تقل على كل حال عما كانت عليه عند تحبيسه.

2- أن لا تتعارض استعمالات الأجزاء الأخرى من المبنى مع أهداف الوقف في الطاعة والبر. ومن باب أولى أن لا تتضمن مخالفة شرعية واضحة.

3 - أن تستعمل الإضافات المتاحة في المبنى لأهداف تتضمنها شروط الواقف بشكل عام مما يشبه تسهيل ارتياد المسجد بالنسبة لوقف المدرسة في المثال الذي ذكرناه من السماح للمصلين بوضع سياراتهم في موقف المدرسة وقت الصلاة؛ وذلك إذا كان هذا الاستعمال مجانيا.

4 - أن تُرد عوائد الإضافات المتاحة - نتيجة استثمارها - على هدف الوقف نفسه، فإن فاضت تعامل معاملة الفائض في إيرادات الوقف عن حاجة أغراضه كما بينها الفقهاء. بحيث ترد على هدف قريب منه في النوع والمكان، وإلا فعلى الفقراء والمساكين.

5- أن يمكن تمويل الزيادات في البناء بالطرق المشروعة ودون التضييق على هدف الوقف الأصلي. فإذا تم التمويل بطريق تقتضي رد المال الممول مع عوائد له مشروعة (أو بدونها) أن يكون في إيرادات الإضافات الوقفية ما يفي بسداد كل ذلك.

فإذا ما توفرت هذه الشروط، فإنه يمكن القول بإمكان تحويل الوقف المباشر إلى وقف ذي استعمالين: مباشر واستثماري، حتى ولو كان نص الواقف يمنع ذلك. لأن مثل هذا النص المانع ليس له تأويل سوى التعنت والتعسف، وقد ألغى الفقهاء شروط الواقف إذا تضمنت تعنتا وتعسفاً لاطائل منهما.

الفصل الرابع: أهداف استغلال الوقف وتنميته

سنميز في هذا الفصل بين التنمية والاستغلال. فالتنمية يقصد منها زيادة حجم الأموال المستغلة أو الاستثمارية أو الرأسمالية للوقف. كأن يكون الوقف أرضا سكنية معطلة لا بد لاستثمارها من البناء عليها، ويحتاج ذلك البناء إلى إضافة استثمارية جديدة، تضاف إلى رأس مال الوقف نفسه؛ أو تكون الأرض ملحية مثلا فتحتاج إلى عمارة واستصلاح قبل أن يمكن زراعتها مما يتطلب استثمارات جديدة. وهذا النوع من النشاط التنموي يتميز بأنه يزيد في القيمة الرأسمالية لمال الوقف وفي طاقته الإنتاجية، وهو في الغالب طويل الأجل أو متوسطه على الأقل.

أما حاجات الاستغلال، فهي لتمكين مدير المال الوقفي من استثمار الوقف نفسه. كأن يحتاج الوقف إلى صيانة فيخصص المتولي جزءاً من إيرادات الوقف للإنفاق على صيانته، أو يقترض على حساب الوقف ليدفع القرض بعد ذلك من إيراده. أو تحتاج الأرض الزراعية الموقوفة إلى البذور والسماد معاً، فيعمد الناظر إلى الاستعانة بمصادر تمويلية متاحة. وهذا النوع من النشاط هو في العادة قصير الأجل، لا يتجاوز السنة الواحدة أو الموسم الزراعي، ولا يزيد في القيمة الرأسمالية للوقف.

ولا شك أنه لا يوجد معيار دقيق للتمييز بين هذين النوعين من الحاجات التمويلية في بعض الحالات الهامشية. فقد تكون نفقات الصيانة كبيرة أحياناً، مما يجعل إطفاءها يتطلب عدة سنوات، ولكنها في الوقت نفسه لا تزيد في القيمة الرأسمالية للمال الموقوف، أو تكون نفقة العمارة والاستصلاح ضئيلة، تسدد من إيرادات الموسم الواحد، وهي مع ذلك تتضمن زيادة رأسمالية ملحوظة في مال الوقف. ومع ذلك فإن التمييز بين هذين النوعين من التمويل بالاستناد إلى معيار مدة التمويل، يبقى صالحا لمعظم الأحوال، وبخاصة أن الصيغ التي تصلح لكل منهما قد تختلف اختلافا كبيرا بين الواحد والآخر، كما أن المؤسسات التي تقدم كل نوع من هذين التمويلين ليست في العادة واحدة.

ولهذا التمييز بين استغلال الوقف وتنميته أهمية كبيرة من الوجهتين التطبيقية والشرعية. فهو يطرح مشكلة تمويل الوقف كقضية شرعية تتلخص بضرورة تحديد ما إذا كان من المسموح به تخصيص جزء من إيرادات الوقف لتنميته أم لا. ولكننا سنقدم إلى مناقشة ذلك بمقدمة تبين أن هذه المسألة مستجدة مستحدثة لم تتطرق إلى أصلها الدراسات الفقهية التقليدية عن الوقف.

حداثة طرح مسألة تنمية أموال الأوقاف:

لا شك أن بناء ما تهدم من الأملاك الوقفية، وإعمار ما احتاج إلى عمارة واستصلاح من أراضيه مسألة قديمة قدم الوقف نفسه. ولم يغفل الفقهاء الحديث عنها في دراساتهم، كما لم يقصِّروا في التفكير بأساليب تمويل إعادة هذه الأملاك الوقفية إلى مجال الاستغلال والاستثمار حتى يمكن لها أن تؤدي الدور الذي رسمه لها الواقف. وقد اعتبروا إعمار ما تهدم وإصلاح ما أفسدته عوادي الدهر من واجب المتولي، وإن كان يحتاج في ذلك إلى إذن من القاضي إذا كان ذلك مما يرتب على الوقف ديونا لا بد من سدادها في المستقبل، أو ينشئ التزامات طويلة الأجل تؤثر على حقوق الموقوف عليهم أو على أغراض الوقف.

ومن جهة أخرى لا نجد فيما بين أيدينا من فصول دراسات الفقهاء حول الوقف وأمواله حديثا تفصيليا عن زيادة رأس مال الوقف نفسه عن طريق أعمال تنموية مقصودة تتضمن استثمارا ماليا جديدا يضاف إلى أصل المال الموقوف.

ومع ذلك فقد حدثنا الفقهاء عن صورتين مهمتين من صور تنمية مال الوقف. أولهما حفر بئر في أرض الوقف الزراعية من أجل التمكين من زراعتها، أو لزيادة مردودها، بتحويلها من أرض تزرع بعلا إلى أرض مسقية. ولا شك أن الوسائل التي كانت متوفرة لحفر الآبار لم تكن لتجعل تكلفة حفر البئر عالية بحيث لا يمكن تغطيتها من إيرادات السنة نفسها. ولكن هذه العملية هي عملية تنموية دونما أدنى شك، لأنها تزيد في إنتاجية الأرض وقيمتها الرأسمالية، حتى في تلك العصور، وبالرغم من عدم ارتفاع تكاليفها في العادة. أما الصورة الثانية فهي إضافة وقف جديد إلى مال وقف سابق مما سنبحثه في فصول صيغ التمويل من هذا البحث.

ولعل مما كان يقيّد النظر الفقهي في مسألة تخصيص جزء من إيراد الوقف للزيادة في رأسماله هو مبدأ أساسي من مبادئ الوقف، وهو وجوب احترام شروط الواقف. لأن الزيادة الرأسمالية في مال الوقف قلما تخلو من تغيير صريح أو ضمني في تلك الشـــروط، أو في طريقة تحقيقها، وبخاصة إذا مالاحظنا أنه لم تحدث تغيرات كثيرة في تكنولوجيا البناء خلال عصور تاريخية طويلة، هي نفس الفترة الذهبية لنمو الدراسات الفقهية.

ولعل مما يلفت النظر أيضا أنه على الرغم مما يحدثنا به المؤرخون من توسع بعض الأمصار، نحو الكوفة ودمشق وبغداد والقاهرة، والكثافة السكانية العالية التي حصلت في كثير منها، مما أدى إلى ارتفاع واضح في أسعار الأراضي والعقارات إضافة إلى كثير من السلع الأخرى، فإن الفقه الإسلامي بقى متمسكا بشروط الواقف بشكل دقيق، ولم يحدثنا عن تنمية عقار الوقف بزيادة مبانيه فوق ما حبسه الواقف، من أجل زيادة منفعة الموقوف عليهم، ورغبة في تنمية أموال الوقف وزيادة موجوداته.

والذي نعتقده في هذا السبيل أن هنالك عاملين هامين حدثا في البلدان الإسلامية خلال القرن العشرين الحالي يمكن اعتبارهما مسؤولين عن بروز مسألة تنمية أموال الوقف إلى السطح واحتلالها أهمية لم يشاهد مثلها في الماضي. وهذان العاملان هما :

1- التقدم الكبير في تكنولوجيا البناء.

2- زيادة التركز السكاني في الأمصار الكبيرة.

فالعامل الأول أدى إلى استغلال أحسن للمساحات الصغيرة من الأراضي السكنية في المدن خاصة، بأن مكّن من التعالي أو التطاول غير المسبوق في البنيان. والعامل الثاني زاد الطلب على المباني السكنية والتجارية. كل ذلك أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الأراضي. فهل يعقل في مثل هذه الأحوال أن يترك مبنى وقفي صغير في وسط مكة المكرمة أو اسطنبول، في وقت صارت فيه قيمة الأرض وحدها تعادل مئات بل آلاف ما كانت عليه، وارتفعت المباني من حوله إلى عشرات الطبقات علوا فوق الأرض، كما نزلت عدة طبقات في باطن الأرض؟ هذه المفارقة الكبيرة استدعت - ولا شك - المطالبة على كل صعيد بضرورة تنمية هذه الأملاك، وبخاصة أن هذه التنمية - وإن غيرت شكل المدرسة أو المسكن الوقفي - تستطيع أيضا أن تضاعف المنافع، أو العوائد، للغرض الموقوفة عليه أضعافا كثيرة.

ولا شك أن هنالك عاملا ثالثا ينبغي أن نأخذه في الحسبان أيضا. وهو أن فترة السبات الطويل للأمة الإسلامية قد رافقها ركود اقتصادي عام، سواء أكان ذلك في أملاك الأوقاف، أم في أملاك الدولة، أم في أملاك القطاع الخاص. فتراجعت الزراعة وأهمل كثير من الأراضي الزراعية، وقفية كانت أم غير وقفية. والعودة إلى استثمار هذه الأملاك واستغلالها تتطلب استثماراً رأسمالياً جديداً لابد منه.

لذلك، فإن مسألة تنمية أملاك الأوقاف ينبغي أن ينظر إليها على أنها قضية جديدة حديثة ، سٍواء أكانت جدتها من حيث العوامل التي أدت إليها، أم من حيث أهميتها وحجمها في الواقع الاجتماعي والاقتصادي المعاصر؛ وإن كانت قديمة بطبيعتها وأصولها وجذورها.

تخصيص جزء من عائدات الوقف لإنماء رأس ماله:

الأصل في الوقف أن يحبس - منذ تاريخ حبسه - في حالة صالحة للاستعمال للأغراض التي أرادها الواقف. ويصعب القول بوقف لا يصلح - منذ لحظة تحبيسه - لإنتاج المنافع المقصودة لأغراضه، وإن كان ذلك ممكنا من الناحية النظرية البحتة. ففيما عدا هذا الإمكان النظري، يمكن القول إن أملاك الأوقاف لم تكن لتحتاج إلى تنمية لحظة وقفها وتحبيسها. ويترتب على ذلك فرضية مرافقة هي أنه ما لم يكن لدينا نص واضح من الواقف بعكس ذلك، فإنه من الصعب أيضا القول بأن الواقف قصد إلى حجز جزء من عائدات الوقف من أجل الزيادة في رأسماله.

وبمعنى آخر، فإنه يفترض أن الواقف قد قدم أصلا ثابتا تُستخلص منه منافع تستعمل لأغراض الوقف، أو عوائد مستقبلية توزع على الموقوف عليهم، وقد قصد من الوقف أن تستعمل كل تلك المنافع أو العوائد التي تولدها أصوله في أغراضه، دون أن يضاف أي جزء من تلك العوائد إلى أصل المال الموقوف على سبـيل الزيادة فيه. وهذا لا يشمل -بطبيعة الحال- نفقات الصيانة التي اتفق الفقهاء على ضرورة أخذها من عوائد الوقف قبل التوزيع، لأنها ضرورية لاستمرار الوقف واستمرار عطائه.

وإذا لم يشترط الواقف نفسُه الزيادة في أصل الوقف بتخصيص جزء من عوائده لذلك، فإنه لا يقبل القول بإمكان القيام بذلك، لأنه يتعارض مع حق الموقوف عليهم - أو أغراض الوقف - في منافعه وعوائده كلها دون نقصان. فالواقف قصد توزيع المنافع والعوائد التي ينبغي أن تُرد على أغراض الوقف والمستفيدين منه.

معنى ذلك أنه ما لم ينص الواقف نفسه على أسلوب للزيادة في أصل مال الوقف من إيراداته، فالأصل أن لا يصح تخصيص أي جزء من الإيرادات لإنماء الوقف، لأن حق الموقوف عليهم متعلق بهذه الإيرادات، وبها كلها، بعد صيانة الوقف والمحافظة على أصل ماله دون نقصان؛ ولكن دون زيادة أيضا. هذا هو الأصل أو المبدأ العام في إنماء أموال الأوقاف.

وإذا أنعمنا النظر في أبحاث الفقهاء وجدنا في طياتها تطبيقات عديدة لهذا المبدأ. فقد نصوا على أن ما فاض عن غرض وقف معين من إيراداته ينبغي أن يصرف إلى أقرب غرض له من حيث نوع الغرض وموقعه الجغرافي. وإذا انقطع غرض الوقف، فإن كان معلوم إمكان الانقطاع منذ تاريخ إنشاء الوقف، فإن الوقف نفسه باطل على رأي الكثيرين؛ وإذا لم يكن معلوما فترد عائدات هذا الوقف إلى غرض مشابه، وإلا فعلى الفقراء والمساكين، باعتبار ذلك غرضاً عاماً يشــمل كل ما لم يوجـد له غرض. كما نجــد عند الفقهاء صحــة الوقف ولو لم يحدد الواقف غرضا له، ويعتبر غرضه للفقراء والمساكين بنفس الاعتبار المذكور، فالإحسان إليهم هو رأس أعمال البر والصدقات كلها.

ويترتب على ذلك أن المتولي، الذي يكوِّن لديه فائضا من عائدات الوقف، مقصر في حق الموقوف عليهم، يستحق المحاسبة، وقد يستحق العقوبة والعزل، لأنه قد قصر في إعطائهم حقوقهم التي رتبها لهم نص الواقف، مما أقرته الشريعة ومنحته قوة تقارب النص الشرعي نفسه.

ولنا أن نتساءل - رغم القناعة الكاملة بهذا المبدأ - حول بعض الصور التي تولدت عن الظروف والأحوال المستجدة مما قد يشكل استثناءات لهذا المبدأ.

فمن هذه الصور، أن تتراكم لدى الناظر مبالغ كبيرة من عائدات فاضت عن التوزيع بسبب اجتهاد منه - قد لا يوافَق عليه - وأن يكون غرض الوقف ضيقا، بحيث لا يستوعب كل هذه المبالغ المتراكمة، بل قد تكون عوائد هذا المال المتراكم نفسها كبيرة، بحيث تغطي حاجات أغراض الوقف. ومنها أيضا أن تنشأ إيرادات كبيرة غير متوقعة لمال الوقف ولا تستطيع أغراضه أن تستوعبها، أو استثمارات جانبية لا تؤثر على الاستعمال الأصلي لمال الوقف. كأن توضع لوحات إعلانات ضوئية مأجورة على سطح مبنى مدرسـة وقفية، أو أن يؤجر مبناها في فترات العطل الدراسية. ومنها أيضاً أن تستحق مبالغ لمال الوقف، نتيجة لفعل ضار من الغير، فتحكم لها المحكمة بتعويضات كبيرة، دون أن يمكن الاستغناء بمال وقفي جديد بدل المال التالف، كأن تكون المتلفات مخطوطات نادرة مثلاً.

على أن هناك صوراً أكثر تكراراً وشيوعاً في واقع أملاك الأوقاف، ساعدت على بروزها على الساحة الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية السائدة في عالم اليوم، إضافة إلى التغيرات الاقتصادية التي ذكرنا بعضها سابقا. ومن أبرز هذه الصور أن يتحول استعمال أرض من زراعية إلى حضرية بسبب توسع التمصر Urbanization وأن يكون الاستغلال الإنتاجي الجديد الذي يحقق مصالح غرض الوقف مما يتطلب إضافة استثمارات جديدة كبيرة، ولكن إيراد الوقف - بعد بنائه - كبير بحيث يزيد في منافع الموقوف عليه ويسدد على أقساط - مبالغ الاستثمارات التي أضيفت إلى أصل الوقف، بحيث تصبح الاستثمارات الجديدة مملوكة للوقف بعد فترة قصيرة من الزمن. مما قد تنشأ معه زيادات إضافية كبيرة في منافع الوقف وإيراداته.

ومن هذه الصور المتكررة أيضا استغناء غرض وقفي عن جميع إيرادات ماكان قد أوقف عليه من أملاك وعقارات، بحيث تتراكم عوائدها قبل أن تجد لها استعمالاً جديداً. كما حصل لأوقاف الحرمين الشريفين عندما قررت الحكومة السعودية القيام بجميع نفقات توسعة وصيانة وإدارة الحرمين الشريفين. وكما حصل لأوقاف كثيرة في بعض البلاد الإسلامية بعد أن أقيمت وزارات وإدارات للأوقاف صارت تقوم بحاجات المساجد بتخصيص موارد في الميزانية العامة لذلك.

ومن هذه الصور أيضاً وجود أوقاف في بعض البلدان لأغراض في بلدان أخرى، ولكن الأوضاع السياسية والقانونية فيما بين هذه الدول لاتسمح بإنفاق عائدات هذه الأوقاف على أغراضها فتتراكم لدى إدارات الأوقاف. ويشبه ذلك وجود فوائض في إيرادات الأوقاف في بعض البلدان، ولكن تلك الأوضاع نفسها لاتسمح بإنفاقها على أغراض مشابهة قريبة خارج الحدود الجغرافية لبلد الفائض.

ومنها ما حصل في بعض البلدان من تراكم للإيرادات الوقفية لدى بعض وزارات الأوقاف بسبب عدم معرفة أغراض الوقف، وقلة الحاجة إلى تلك الإيرادات، مع الحرص على الالتزام بحرمة صرفها في غير أغراضها، وضعف البنية الإدارية لبعض وزارات الأوقاف مما جعلها عاجزة عن اتخاذ القرار التوزيعي اللازم لهذه الإيرادات فتراكمت لديها.

إن معظم الصور المذكورة، وما شابهها، تعتبر صورا مستجدة ينبغي النظر إليها من خلال مقاصد الشريعة في حفظ المال وتنميته؛ وفي تعظيم البر والإحسان، ومنافع الأموال الموقوفة في كل ذلك؛ وفي حفظ حقوق الموقوف عليهم وتعظيمها؛ وفي حفظ حقوق الواقف الذي قصد البر والإحسان بصدقته الجارية، وذلك بتعظيم أجره بسبب تعظيم الانتفاع من وقفه. ولله، سبحانه، شأنه فيما يلهم به من خير فيكون لفاعله من الأجر فوق ما كان يظن ويحتسب...

أما فيما عدا هذه الصور وأمثالها، فإن الوضع الطبيعي أن توزع جميع عوائد الوقف ومنافعه على مستحقيه، ولا ينبغي لإدارات الأوقاف حجز ذلك عنهم بحجة التنمية أو غيرها، إلا إذا حصلت الإضافة إلى أصل الوقف بموافقة الموقوف عليهم - شريطة أن يكونوا أهلاً للإرادة بأن يكونوا كلهم من المتمتعين بأهلية التصرف حسب تعريفها الشرعي - وتعتبر هذه الموافقة، عندئذ، بمثابة التزام بإنشاء وقف جديد من قبلهم يضاف إلى أصل مال الوقف القديم بنفس شروطه .

على أننا ينبغي أن نلاحظ أن بعض التنظيمات الاقتصادية الحديثة، وبشكل خاص الشركة المساهمة، تكوِّن في العادة احتياطات للتوسع والنماء، ترصدها من عائداتها - بصورة يلزمها بها القانون أحياناً، أو بصورة طوعية اختيارية أحيانا أخرى. فلماذا لا تلحظ مثل هذه الفكرة في الأوقاف الجديدة، فتضع الجهات المعنية بتشجيع إنشاء أوقاف جديدة نماذج من الوثائق الوقفية التي تتضمن شرطا يشترطه الواقف للنماء، بأن تُحتجز نسبة من العائدات الصافية للمال الموقوف لتزاد في أصله، فيكبر رأس مال الوقف مع الزمن، وتتزايد منافعه وتنمو، ويتزايد بذلك أجر الواقف - بإذن الله تعالى - بجريان صدقته وتوسعها وعموم خيراتها.