lundi 28 février 2011

العائلات التركية في مدينة المدية


* وللتعرف عن قرب على العائلات الجزائرية من أصول تركية توجهنا إلى مدينة المدية عاصمة التيطري في زمن العثمانيين والتي تمثل أكبر تجمع للعائلات التي تحمل أسماء تركية بالرغم أن عدة مدن جزائرية مازالت تضم هذه العائلات على غرار القصبة في الجزائر العاصمة وقسنطينة وتلمسان.
* وعندما سألت عن العائلات التركية أخبرتني معلمة من المدية أن هذه العائلات معروفة بعاداتها المختلفة خاصة في اللباس والمأكولات لكنهم في العادة يفضلون الزواج المختلط فيما بينهم، كما ينسب إليهم الثراء ويعتبرون من ملاك الأراضي وأصحاب الألقاب التي ورثوها منذ العهد العثماني وحتى العهد الاستعماري كالبشاغوات والخوجات.
* وسلمتني هذه المعلمة بحثا عن مدينة المدية يتحدث عن الفتح التركي للمدية بعد أن عاشت الخراب بسبب كثرة الحروب حيث جعلها الأتراك "قاعدة مهمة لهم وأسكنوا فيها قبائلهم وعشائرهم التركية وحولوها إلى مدينة تركية مثل مدنهم في الأناضول وبنوا فيها القصور والحمامات والصور التركي الذي لا يزال قائما إلى يومنا هذا".
* وعلى عكس ما هو معروف فإن هذا البحث يشير إلى أن فرنسا عندما احتلت المدية في 1842 عمدت على "القضاء على القبائل التركية قبل القضاء على بقية الجزائريين فقتلت من قتلت وشردت البقية وأحرقت قصورهم وبنت المستوطنات بها"، وبسبب سنوات الاستعمار وكذا سنوات الإرهاب في التسعينات "نزح الكثير من سكان الأرياف إلى المدية وأصبحوا يشكلون غالبية سكانها، وأصبحت العائلات التركية تشكل أقلية، وتتجمع هذه العائلات في أحياء صغيرة وبعضها يعيش بشكل متفرق داخل مدينة المدية".
* وما يلفت الانتباه في هذا البحث أن ذوي الأصول التركية "لا يزالون يفتخرون بأصولهم وأسماء عائلاتهم التركية ويتمنون إعادة إحياء لغتهم وهويتهم التركية".
* لكن أغرب ما قرأته في منتديات الأنترنيت عن اختلاف ذوي الأصول التركية عن بقية الجزائريين ما كتبه أحد أفراد عائلة دمرجي "أشكالنا تختلف عن باقي أشكال الجزائريين.
* وأخطر ما قاله دمرجي "إنه يعتبر نفسه جزائري الوطن تركي العرق مسلم الديانة"، أي أنه ينفي عن نفسه صفة العروبة رغم أنه من المعروف أن أتراك الجزائر لا يتكلمون سوى العربية، أما اللغة التركية فلا يتحدثونها ولا يجيدونها رغم استعمالهم بعض المصطلحات التركية التي ذابت في العامية الجزائرية ويقول دمرجي: إنهم ينطقونها بشكل مختلف عن بقية الجزائريين مثل "الزواللي" أي المسكين، وجنكل (ملقط ثمار التين)، و"ازبانتوت" (العازب).
* ويتحدث دمرجي عن اهتمام السفارة التركية بالجزائر بالعائلات من أصول تركية ويقول بأنه اتصل شخصيا بها وأرسلت له كتب تعلم اللغة التركية ويشير إلى زيارة وفد تركي في الثمانينات للجزائر قصد التعرف على العائلات من أصول تركية.
*
* كل بلقاني أو شركسي أو كرغلي يعتبر تركي؟
* وخلال لقائي بميلود بلحنيش مسؤول في المركز الثقافي المدية أكد لي أن الكثير مما يقال عن العائلات من أصول تركية في المدية غير دقيق، خاصة تلك التي تربطهم بالبشاغوات والخوجات في العهد الاستعماري ويؤكد أن فرنسا بعد أن احتلت الجزائر ألغت جميع هذه الرتب التي كان يتمتع بها الأتراك في العهد العثماني، مشيرا إلى أن البشاغوات والخوجات الذين عينتهم الإدارة الفرنسية كثير منهم لم يكونوا من أصول تركية.
* وقال بلحنيش إن الجزائريين من أصول تركية شاركوا كغيرهم من الجزائريين في ثورة التحرير وسقط منهم الكثير من الشهداء فعائلة دمرجي مثلا ضحت ب45 شهيدا من أبنائها، وهناك الكثير من الأبطال من أصول تركية على غرار الشهيد الرائد محمود باشن، مشددا على أن فرنسا الاستعمارية هي من حاولت خلق الحزازات بين الجزائريين في إطار سياسة "فرق تسد".
* ونفى بلحنيش وهو أحد أبناء المدية وجود أي جمعية لذوي الأصول التركية أو أي ظهور نعرة أو شعور بالتميز لدى هذه العائلات، مشيرا إلى أن المدية مرت بها عدة حضارات وشعوب على غرار البربر والفينيقيين والرومان والبيزنطيين ثم جاء العرب الفاتحين وقبائل بنو هلال وكان هناك تمازج وتأثر وتأثير بين هذه الشعوب، مضيفا أن الأتراك لم يدخلوا المدية لا محتلين ولا محررين لأن المدية لم تكن خاضعة للاحتلال الإسباني الذي تركز فقط في المدن الساحلية، ولكن المدية تعبت من كثرة الحروب بين الزيانيين (وعاصمتهم تلمسان) والمرينيين (في المغرب) والحفصيين (في تونس)، فلما جاءها الأتراك دخلوها بلا حرب.
* ونبهني ميلود بلحنيش إلى أن الأتراك اختلطوا بالجزائريين وتزوجوا منهم منذ قدومهم للجزائر وأنجبوا أجيالا من المولدين يدعون "بالكراغلة" وهو ما ينفي أن العائلات من أصول تركية لا تحبذ مصاهرة بقية الجزائريين، كما أن الجزائريين اعتادوا الخلط بين الكراغلة والمورسكيين أو الأندلوسيين العرب منهم واليهود والذين استوطنوا المدية بعد سقوط الأندلس حيث جاؤوا بعادات وتقاليد وفنون أثرت الحياة الثقافية في المدية والتي اختاروها لتشابه مناخها بمناخ شبه الجزيرة الإيبرية وهربا من الهجمات الإسبانية على السواحل الجزائرية في القرن ال16.
* ويضيف المتحدث أن "العائلات التي تحمل ألقابا تركية لا يعني أنها تنتمي إلى أصول تركية"، وإنما الكثير من الجيش الإنكشاري العثماني الذين دخلوا الجزائر هم في الأصل ينتمون إلى دول فتحها العثمانيون في شرق أوروبا وشمال آسيا وخاصة في البلقان (ألبانيا والبوسنة والهرسك...) والقوقاز (الشيشان وأذرابيجان، أرمينيا وتركمنستان...)، والجزائريون كانوا يعتبرون كل من ينتمي إلى الجيش العثماني تركي، وهذا ينفي الادعاء بأن العائلات التركية لديها خصائص مورفولوجية مشتركة ومختلفة عن بقية الجزائريين.
* إحدى الموظفات بالمركز الثقافي بالمدية التي قالت إن أخوالها من أصول تركية أوضحت لي أن هذه العائلات ليست كلها ثرية ولديها أملاك وعقارات كما هو شائع بل إنها تعرف الكثير منهم ذوي مستوى معيشي محدود، أما عن عدم تفضيلهم للزواج المختلط فأرجع بلحنيش ذلك لأسباب اجتماعية وطبقية أكثر منها لأسباب عرقية، "فالعائلات الغنية تفضل دوما تزويج بناتها لعائلات من نفس الطبقة الاجتماعية، وهذا الأمر ليس مقتصرا على العائلات من أصول تركية"، مشيرا إلى أن الزواج بين الأقارب عادة ما ينتج عنه أبناء متخلفون ذهنيا وغير أصحاء جسديا، مما يجعل الزواج المختلط غير محبذ لدى الكثير من العائلات.
* رجل أعمال تركي يشبه زنيقة الصومعة بأحياء اسطنبول العتيقة
* أحد الشباب الذين التقيتهم في المدية أخبرني أنه من أصول تركية ويحمل لقب زميرلي ويقيم حاليا في مدينة البرواقية، وقال لي إنه عندما بحث عن أصوله "وجد أن جده الرابع من مدينة إزمير التركية".
* و أما سفربوني مدير متحف الفنون والثقافات الشعبية وهو جزائري من أصول تركية فأوضح أن الألقاب التركية عادة ما تنسب إلى مهنة معينة، فعائلة بلقاضي نسبة إلى القاضي، وصبونجي نسبة لبائع الصابون، والخزناجي نسبة إلى مسؤول الخزينة، وكذلك الأمر بالنسبة لتشماقجي وبوقنداقجي وخوجة، وأما سفرباتي وسفربوني فقد تعني كثرة الأسفار.
* وخلال جولة قادتنا إلى بعض الأحياء العتيقة التي تعود إلى العهد التركي روى لي رئيس جمعية أحباب المدية السيد كمال فرقاني عن مدير مكتب دراسات تركي جاء إلى المدية للإشراف على ترميم أحد المساجد العتيقة، فدهش لما زار "زنيقة صومعة المسجد الأحمر" وقال لهم "وكأنني في تركيا".
* وتتميز هذه الأحياء العتيقة بضيقها وتشبه إلى حد ما القصبة في العاصمة ولكنها مستوية، وبناياتها من طابق أو طابقين على الأكثر، وسطحها قرميدي يناسب المناطق الماطرة، وشرفاتها صغيرة لكن النوافذ كبيرة، أما أرصفتها فتحتفظ بحجارة قديمة من العهد التركي وربما أقدم من ذلك.
* ومازال إلى اليوم أجزاء من السور التركي شاهدا على العهد العثماني في الجزائر ولو أن ميلود بلحنيبش يؤكد بأن هذا السور بني قبل العهد العثماني ولكن الأتراك أعادوا بناءه وترميمه لحماية المدينة من الغزاة، وكان بابه يفتح في الصباح ويغلق في الليل، ولم تكن المدية منغلقة على نفسها أو محصورة على العائلات التركية دون غيرها.
*
* العثمانيون أدخلوا المذهب الحنفي إلى الجزائر
* معروف أن المذهب المالكي هو المذهب السائد في الجزائر منذ قرون وعندما دخل الأتراك نشروا المذهب الحنفي في الجزائر ولكن بشكل محدود، وإلى اليوم يوجد في المدية مسجد الأحناف يصلي فيه أصحاب المذهب الحنفي، وأكد لي كمال فرقاني وسفربوني أنه لا يوجد أي خلاف أو صراع مذهبي في المدية لا في زمن الأتراك ولا في الوقت الحالي، بدليل أن الأحناف والمالكية يصلون مع بعضهم البعض مع الكثير من التسامح.
* ودعانا سفربوني لدخول متحف الفنون والثقافات الشعبية بالمدية والذي كان فيما سبق قصر الباي وقد بني في 1534 وبفضل أشغال ترميمه يمكنك الإطلاع على الفن المعماري التركي، وهذا المتحف القصر عبارة عن بناية كبيرة من طابق واحد وذو سطح قرميدي وفي وسط البناية توجد النافورة التي تتوسط الساحة وحولها أعمدة وأقواس جميلة، وخلف القصر توجد حديقة ومكان لربط الأحصنة.
* ويضم القصر المتحف عدة غرف تتضمن مجسمات لثقافات مرت بالمدية على غرار العهد العثماني والألبسة التي ميزت ذلك العهد مثل الفتلة والمجبود، والبرنوس، أما الحمامات التي لازالت إلى اليوم منتشرة بكثرة في المدية ولها طقوس معينة خاصة عند زفاف العروس، فكانت مبنية بشكل خاص في زمن الأتراك، فهي عبارة عن قبة تسمح بعودة البخار إلى الأسفل وعلى أطراف القبة نوافذ صغيرة لدخول الضوء وهناك نظام خاص لتصريف المياه من الحمام، وقبل الخروج من الحمام هناك ممر صغير وضيق يسمى "سقيفة الحمام" يرتاح فيه المستحم حتى لا يؤثر فيه النسيم البارد بالخارج.
* أما غرفة النوم فعبارة عن سرير مرتفع مبني بالحجارة والطين وتحتاج إلى درج خشبي للصعود إليه، وفي أسفله توضع الأغطية وأحيانا تخبأ به الغلال، كما يقف رجل مسلح من أصول شركسية (قوقازية) لحراسة الأمير عند نومه ويدعى هذا الرجل "سباسبي" ويحمل معه بندقية طويلة الماسورة، ولا يحق للسباسبي أن يتزوج أو يشكل عائلة لأنه مكرس فقط لحماية الباي.
* أما عن المأكولات التركية المشهورة في المدية فتتمثل في البرغل والمثوم والبقلاوة وتشارك والبغرير والسفيرية وهذه الأطباق والحلويات أصبحت اليوم جزء من المطبخ الجزائري ومعروفة حتى لدى العائلات التي ليست من أصول تركية.
* وما لمسناه عن قرب من الجزائريين من أصول تركية اندماجهم التام في البوتقة الجزائرية، وعاداتهم وتقاليدهم أثرت الثقافة الجزائرية وصارت جزء منها، وإن كان فيهم من يرغب في إحياء الهوية التركية فهذا الأمر لا يجب أن يؤثر على الانسجام الاجتماعي الداخلي للشعب الجزائري الغني بتراثه الثقافي المتنوع والذي يعتبر فخر لكل الجزائريين.
*
*
* سفربوني مدير متحف ومنحدر من أصول تركية، للشروق:
* ليس بيننا من يريد إحياء التركية، ولغتنا هي العربية
*
* ماذا بقي من العهد التركي في الجزائر؟
* لازالت هناك عائلات كثيرة من أصول تركية متجمعة في بلدية المدية على اعتبار أن المدية كانت تضم ثكنة عسكرية تركية تضم أفراد من الجيش الانكشاري المكلفين بالعمليات العسكرية وجمع الضرائب ولم يكن مسموحا لهم بالزواج، فلما خرج الأتراك من المدية بعد الاحتلال الفرنسي استقر الانكشاريون بها ليتزوجوا من بنات الأهالي في المدية وبدؤوا يخلفون أجيالا جديدة تحمل أسماء تركية بقيت كخيط يربطهم بماضيهم، وهم الآن يعيشون بصفة عادية كجزائريين.
*
* وماذا عن العمران التركي الذي مازال قائما إلى اليوم في المدية؟
* هناك القصور التركية من بينها قصر الباي الذي نحن متواجدون فيه الآن والذي بني في 1535 وهو ذو طابع معماري إسلامي، والأتراك قبل مجيئهم إلى الجزائر وجدوا طبوع معمارية أخرى منذ الفتوحات الإسلامية الأولى على غرار القصبات التي لم يشيدها الأتراك وإنما كانت موجودة قبلهم، ومدينة المدية بناها الأهالي وليس الأتراك الذين جاؤوا كحماية في سنة 1516، ولكن هناك بنايات ذات طابع عثماني على غرار دار الأمير خالد، ومنازل قادة العساكر الأتراك التي بنيت على نفس الطراز والهيكل والهندسة المعمارية العثمانية والتي كانت إضافة للفن المعماري في الجزائر.
*
* سمعنا أن هناك عادات وتقاليد خاصة بالعائلات ذات الأصول التركية، فيما تتمثل؟
* طبعا بل إن الكثير من الألبسة الجزائرية هي في الأصل تركية مثل الحايك والعجار والقشابة والطربوش والبرنوس والتي توارثها الناس من جد لجد، فالنسيج مثلا "جعابي الحمبل" من أصل تركي، وفي الطبخ إعداد الدجاج بالبصل والطماطم طريقة تركية وكذلك الأمر بالنسبة للمحمصة مع الخليع (اللحم المملح) ويؤكل في الشتاء، وكذلك "الرُّب" وهو عبارة عن ترسبات العنب المغلى 16 مرة تحت درجة حرارة 100، ولا يضاف له السكر حتى يبقى طبيعي، وسمي بالرب لأنه يمثل ربع ما يتبقى من العنب في القدر، وهناك أيضا "حلاوة العنب" تعد بالدقيق واللوز وتغطس مرارا وتجفف مثل حبة الكاشير وتأخذ وقت حتى تكون جاهزة للاستهلاك وتقسم، وهناك بطاطا بالفليو، والرشتة والطبيخة وهي متعددة الخضر مع البرغل والفول، أما الشربة فتسمى "البصير" ويتم إعدادها بالفول المقشر وبالمرق الأبيض بدون طماطم، وورق الثوم بالبيض بالطماطم وهي أكلة مقاومة للبرد المشهورة به المدية وهناك وكذلك الكسكس تركي.
*
* حتى الكسكس تركي؟
* أجل، ولكن لديه صبغة جزائرية، فنفس الكسكس الكوجود في الوسط تجده في الشرق والغرب الجزائري لأن الأتراك وصلوا إلى هذه المناطق باستثناء الصحراء الجزائرية ويمكنك ملاحظة أن كسكس الصحراء أسود و"خشين" مختلف عن كسكس الشمال الذي له طابع واحد حتى في منطقة القبائل.
*
* ما لاحظناه أن سكان المدية ورثوا عن الأتراك ثقافة الحمامات المنتشرة بكثرة ولها طقوس معينة خاصة في الأفراح، فما هي هذه الطقوس؟
* الحمامات التركية تتميز بالتهوية والإضاءة الطبيعية، ويتم تسخين الماء بالخشب ويمشي الماء الساخن في زقاق الحمام الذي يسمى "الصرة"، معطية الحرارة داخل الحمام، وتساعد قبة الحمام في إرجاع البخار والحرارة إلى الأسفل حتى يعرق المستحم ليغسل بشكل جيد، أما بالنسبة للغسول فيسمى "الطفل" ويصنع من الصلصال ويوضع على الشعر حتى يصبح انسيابي، والأتراك قديما كانوا يرفقون مع العروس وصيفتين يلبسونها القبقاب ويقومون بتحميمها باستعمال القدر والغاسول والطاسة الخاصة بها.
*
* وجدنا في بعض منتديات الأنترنيت شباب يدعون أنهم من أصول تركية ويرغبون في إحياء الهوية واللغة التركية وكلام خطير عن اختلافات مورفولوجية وعرقية عن بقية الجزائريين، ما حقيقة ذلك؟
* ليس هناك بيننا من يريد إحياء اللغة التركية في الجزائر، ولم يسبق لي أن التقيت بأشخاص يرغبون في إحياء اللغة التركية فلغتنا هي اللغة العربية لغة الجزائر إنشاء الله، ولغة القرآن الكريم، ولكن هناك مصطلحات متداولة ذات أصل تركي مثل "اللبه" التي تعني "منذ قليل"، و"البالا"، و"البرغل"، والناس بقيت محافظة على التقاليد، ، حتى أنني اقترحت أن يكون لدينا مهرجان وطني للرقص الفلكلوري التراثي الشعبي عن طريق الأطفال

العلامة الشيخ محمد الفضيل اسكندر


من هو هذا العالم الجليل الذي كرس حياته في نشر العلم ومحاربة البدع والخرافات والطرقية شأنه شأن عبدالحميد ابن باديس رائد النهضة الجزائرية.
ولد الشيخ الفضيل اسكندر بالمدية سنة1901 وتوفي بها يوم 14 أفريل 1982م.
تعلم العلوم الإسلامية والعربية على يد جده أحمد وبعض المشايخ من أمثال الشيخ بلحصيني والشيخ مفتي مصطفى بالمدية ثم انكب على المطالعة والدراسة حتى حصل على معارف واسعة ومن ثم برزت شخصيته.
ومن دروسه التي ألقاها بمسجد الحنفي شرح الترغيب والترهيب في الحديث للشيخ المنذري إلى آخره وعلوم الفقه.
بدأ تفسير القرآن عام 1935م بعدما زاره في المسجد الشيخ عبدالحميد ابن باديس وأجاز له في ذلك إثر مناظرة بينهم دامت بعد الزوال حتى طلوع الفجر، وكان آخر كلام قاله الشيخ عبدالحميد ابن باديس للشيخ الفضيل اسكندر ماذا تنتظر لكي تبدأ في تفسير القرآن؟ ومن ثم واصل تفسير القرآن سورة بعد أخرى وآية بعد أخرى دون انقطاع حتى ختمه سنة 1969م من دون حفل وقد صادف ختمه يوم الجمعة والوقوف بعرفات، وزيادة عن تفسير القرآن برع في عدة فنون منها الحديث الشريف الذي تبحر فيه حتى لقب بصيار الحديث، والواحد والثمانين حديث الذي أخرجهم من الكتب الستة المرتبة على حروف المعجم والمتفق عليها لفظا ومعنا لدليل على ذلك، وإن تحدث عن التاريخ تجده عارفا ملما بكل صغيرة وكبيرة من العصور القديمة إلى العصر الحديث. وإذا ترك هذا كله ومال بك إلى اللغة والأدب فيتخيل له الصاغي أنه لا يتقن سواهما، وله ثلاثة قصائد الأولى في فضل العلم كتبها بمناسبة أول نادي ثقافي فتح أبوابه بالمدية سنة1962م والثانية بمناسبة تدشين مسجد النور سنة 1969م والثالثة في البد و الخرافات كتبها سنة 1934م.
كانت له ميزة قلما تجدها عند غيره وهي قوة الذاكرة، كان لا يقرأ كتابا إلا وحفظه وكان يعد من حفاظ الحديث الشريف مما عرف عليه كان حافظا للكتب الستة أي ما يقارب 350.000 حديث ومما عرف عليه كذلك كان إذا تعسر عليه أمرا عند مسألة أو استغناء مسح على جبهته فيجد الحل وسرعان ما يتقلب السائل أو المستفتي مسرورا بالحل.
سئل مرة عن هذا السر فبكى شديدا وقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام مسح بيده الكريمة على جبهتي كذلك كان لا يتعصب لمذهب ما رغم تقيده بالمذهب الحنفي أينما صح الحديث فهنالك مخرجه ومذهبه، كما اشتهر على العلماء ولا سيما أصحاب المذاهب، كان عضوا في جمعية العلماء ورئيسا نشيطا في فرع المدية، المنصب الذي منحه إياه الشيخ عبدا لحميد ابن باديس عام 1935م وعضوا أيضا في مجلس الفتوى، كما درس في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر سنة 1948م كان معروفا لدى العلماء الجزائريين كالشيخ العربي التبسي والشيخ الإبراهيمي والشيخ الميلي وغيرهم بإطلاعه وفكره الواسع، كانت له مناظرات معهم مما جعلهم يعترفون بعلمه وفكره الواسع إلى درجة الاجتهاد.
أما عن المستوى العربي كان يراسل مشايخ الأزهر آنذاك يستفيد ويفيد وفي سنة1968 زاره الدكتور الفحام عميد الأزهر واعترف له بالعلم الوافر وهو الذي أطلق عليه اسم صيار الحديث وقبل رأسه، وكذلك ناظر الشيخ الشعراوي في حفل أقيم على شرفيهما ودامت المناظرة من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر،خرج فيها الشيخ الشعراوي مبهوتا من سعة فكره وإطلاعه العميق.
أما مناظرته مع علماء الزيتونة أثناء سفره إلى تونس في نهاية الأربعينيات، كانت أروع المناظرات أطنب وأفاد وأجاد فحاولوا تعجزه فكان سؤالهم ماذا نقول في قوله تعالى فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون.
فأسهب وأطنب في فضل الكلب وضرب في ذلك الأمثلة من نثر ونظم وحكم وتعداده لمزايا الكلب الكثيرة فقال إلا أنه فيه خصلة واحدة ذميمة وهي نكرانه للضيف فسكتوا وقالوا لم نكن نقصد ذلك.
أثناء أدائه فريضة الحج سنة 1966م كانت له لقاءات مع علماء المدينة ومكة كما أنه زار الطائف وحصل على رخصة الدخول إلى الكعبة الشريفة ولكن لم يتم له ذلك بسبب تصادف يوم دخوله الكعبة مع يوم عودته للجزائر.
وخلال زيارته للطائف سجل اسمه في السجل الذهبي المخصص للوفود الزائرة من رجال العلم والأدب والسياسة.
نختم هذه الكلمة بلمحات عن أحواله الشخصية لقد ظهرت في صغره استعدادات ونجبات فكرية تفطن إليها بعض الشيوخ نذكر من بينهم ابن عمه محمد بن رمضان الذي تعلم عليه القرآن، لاحظ فيه سرعة الحفظ بحيث أنه كان يمحي اللوحة مرتين في اليوم بينما زملاؤه يمحون مرة واحدة في اليوم، وحفظ القرآن وله 9 سنوات.
ذات مرة كان رديف جده أحمد فقص عليه رؤيا رآها في المنام وهو طفل صغير لا يتجاوز الإحدى عشرة سنة وهي رأى نفسه في مسجد جده وهو يعطر أماكنة فبكى جده وقال ستكون خلفتي وكان الأمر كما أول الرؤيا ويحكى أن والي مليانة سيد أحمد بن يوسف تفرس فيه علو شأنه وهو صغير فقال لجده أحمد سيكون لهذا الطفل شأن كبير.
ومن علامة نبوغه في الفقه وتفطنه له وهو طالب له من عمر تسعة عشر سنة امتيازه على شيخه بن حسين في الفتوى وتفوقه عليه في الرتبة فنصحه شيخه مواصلة التحصيل حتى وصل إلى ما وصل إليه، ولما تقلد الإمامة اشتهر بفتاويه حتى انتهت إليه رئاسة الفتوى بعد وفاته رئيت له منامات صالحة منها رأياه ذات يوم في الجنة وهو يدرس لأهلها. تغمده الله برحمته الواسعة.